ومن ذلك: ما قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة - رحمه الله: قال:"هذه اللفظة"لم يعملوا خيرًا قط"، من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به". قال:"وقد بينت هذا المعنى في مواضع كتبي".
أقول: وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبي ?:"ارجع فصلِ فإنك لم تصل"، فنفى صلاته مع وقوعها، والراد نفى صحة أدائها، وبه استدل أبو عبيد رحمه الله في مثل هذا.
وكذلك حديث قاتل المائة نفس الذي جاء:"لم يعمل خيرًا قط"؛ لأنه توجه تلقاء الأرض الصالحة، فمات قبل أن يصلها، فرأت ملائكة العذاب أنه لم يعمل خيرًا قط بعد؛ إذ لم يزد على أن شرع في سبيل التوبة؛ ولهذا حكم الله تعالى بينهما وبين ملائكة الرحمة بقياس الأرض وإلحاقه بأقرب الدارين، ثم قبض هذه وباعد تلك؛ رحمة منه وإلا كان يهلك.
وفي حديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد وفاته خوفًا من الله:"قال رجل لم يعمل خيرًا قط إذا مات فحرقوه ..."ولمسلم:"قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه ...".
وقد فسرتها الرواية التي بعدها:"أسرف رجل على نفسه- أو أسرف عبد على نفسه". ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد في بعض روايات حديث الجهنميين هذا، أن هذا الرجل منهم، حيث ذكرت أنه آخر أهل النار خروجًا منها.
5)أن هؤلاء الذين يخرجون من النار برحمة الله سبحانه وتعالى .. لم يأت في القرآن ولا في السنة ولا في قول صاحب أنهم قد كانوا تاركي الصلاة والزكاة والعمل كله. بل الذين يقولون هذا القول قالوا ذلك بفهمهم ورأيهم، وهذا الفهم والرأي إنما هو احتمال بعيد من جملة احتمالات، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فكيف والقرآن كله شاهد بغير ذلك وأنه لا دخول للجنة إلا بالعمل الصالح مع الإيمان، فكيف ينفي الكتاب والسنة والإجماع ومعتقد أهل السنة لفهم قاصر هو أحد الاحتمالات والدلالات البعيدة في نص واحد من النصوص.
6)هذا وقد يمكن توجيه هذه النصوص التي تقول بظاهرها إن الشفاعة قد تنال أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط بحالات وأمثلة تدخل في ذلك وقد دلت عليها نصوص أخرى فمنها على سبيل المثال والله تعالى أعلم:
أ - سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية، ممن لم يصلهم من الإسلام إلا اسمه، وينتشر فيهم الشرك والجهل بالدين، فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه، ولا يعرفون من أحكامه شيئًا، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور وفيهم المؤاخذ. والمؤاخذون درجات. فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون ممن لا يخلد في النار ... وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
ب - بعض شرار الناس آخر الزمان، حين يفشو الجهل، ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حيث حذيفة مرفوعًا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ?: «يَدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثّوْبِ. حَتّى لاَ يُدْرَىَ مَا صِيَامٌ وَلاَ صَلاَةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ. وَلَيُسْرَىَ عَلَى كِتَابِ اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، فِي لَيْلَةٍ. فَلاَ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ. وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النّاسِ، الشّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ. يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ. فَنَحْنُ نَقُولُهَا» فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغُنِي عَنْهُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّهُ، وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ مَا صَلاَةٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ رَدّهَا عَلَيْهِ ثَلاَثًا. كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ. ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثّالِثَةِ، فَقَالَ: «يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ» . وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة هو يدل على الأصل والقاعدة ألا ترى أن التابعي عجب وألح في سؤال الصحابي وما ذاك إلا لما علمه التابعون من إجماع الصحابة ? على أن تارك العمل ليس بمؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين. والله أعلم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)