ـ [سعيد بن محمد المري] ــــــــ [13 - 04 - 07, 11:11 م] ـ
الحمد لله، يبدو أنك يا أخي عبد القادر كتب ما كتبته ولم تقرأ ما تقدم من المشاركات، فهذا الذي ذكرته ليس بخاف علي ولا على عامة طلاب الحديث، إذ هو المشهور عند المعاصرين، والحقيقة على خلاف ذلك، وليتك تفيدني بالتعليق على خصوص ما هو مكتوب هنا، فتقول مثلًا قولك كذا فيه نظر من جهة كذا، ونحو ذلك، ولك مني الشكر الجزيل.
ـ [سعيد بن محمد المري] ــــــــ [14 - 04 - 07, 10:11 ص] ـ
المبحث الثاني: أقوال أهل العلم
في التفريق بين التدليس والإرسال
لم أجد في الحقيقة عن الأئمة المتقدمين قولًا بينًا للتفريق بين التدليس والإرسال، وأول من بين هذه المسألة بيانًا - أراه - شافيًا واضحًا هو الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، إلا أن ذلك البيان الذي وضحه الخطيب قد بقي حبيس كتابه، وإن كان قد نقله عنه الحافظ ابن حجر في النكت محتجًا به على التفريق بينهما، وتبعه في ذلك تلميذه السخاوي في فتح المغيث، إلا أن نقلهما لكلامه لم يتجاوز النقل دون بيان وجه الاستشهاد أو توضيح لمدلول ذلك التفريق الذي احتواه كلامه.
وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع لا بد من تحديد موضع الاشتباه بين التدليس والإرسال الذي يفتقر إلى معرفة الفرق بينهما، فأقول:
تقدم أن صور الانقطاع في الإسناد التي عليها مدار كلام أهل العلم ثلاث صور؛ الأولى: رواية غير المعاصر، والثانية: رواية المعاصر غير الملاقي، والثالثة رواية المعاصر الملاقي، وتقدم أن الصورتين الثانية والثالثة داخلتان في مسمى التدليس، وأن الصور الثلاث كلها داخلة في مسمى الإرسال.
وعليه فالتدليس والإرسال يشتركان في صورتين، هما رواية المعاصر غير الملاقي، والمعاصر الملاقي، ويفترقان في صورة، يزيد بها الإرسال على التدليس، وهي رواية غير المعاصر.
وإذا كان التدليس والإرسال يشتركان في صورتين وهي عند وجود المعاصرة واللقاء وعند وجود المعاصرة دون اللقاء، فلا بد من وجود فرق بينهما، وإلا كان كل منهما بمعنى الآخر في هتين الصورتين، بحيث يجوز أن يوصف المرسل فيهما بكونه مدلسًا، وأن توصف راويته بالتدليس، ويوصف المدلس بكونه مرسلًا، وتوصف رواية بالإرسال، فهل هذا هو الواقع عند أهل العلم أم أن ثمة فرقًا بين التدليس والإرسال في هتين الصورتين؟.
المطلب الأول: قول الخطيب في التفريق
بين التدليس والإرسال
أول من بين الفرق بين التدليس والإرسال بيانًا واضحًا فيما أظن هو الخطيب البغدادي، فمع أنه جعل تينك الصورتين وهما رواية المعاصر الملاقي ورواية المعاصر غير الملاقي، داخلتين في التدليس والإرسال، إلا أنه بين فرقًا بينهما رغم اتحادهما في كلا الصورتين، حيث قال:"والتدليس على ضربين، قد أفردنا في ذكر كل واحد منهما بشرحه وبيانه كتابًا، إلا أنا نورد في هذا الكتاب شيئًا منه، إذ قد كان مقتضيًا له."
الضرب الأول: تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه، بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان لذلك [1] ، ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه، فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلًا للحديث، غير مدلس فيه، لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعا ممن لم يسمع منه، وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلس ممسكًا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث، وذموا من دلسه" [2] ."
خلاصة ما ذكره الخطيب ههنا أن التدليس يتضمن الإرسال لدلالة التدليس على الانقطاع، وهو معنى الإرسال، ولا عكس، أي أن كل تدليس يكون مشتملًا على الانقطاع وهو الإرسال، وأما الإرسال فإنه لا يتضمن التدليس، فليس الإرسال مشتملًا على التدليس، ولذلك لا يمكن وصف الإرسال بأنه تدليس، وإنما يوصف التدليس بأنه إرسال، وذلك لأن التدليس يقتضي الإيهام، والإرسال لا يقتضيه، لكن ما هو مراده من كون التدليس يقتضي الإيهام والإرسال لا يقتضيه؟.
تفسير ابن حجر لكلام الخطيب