1 -أولًا: إطباق الأئمة من النقاد وغيرهم على تسمية ما رواه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه مراسيل، وقد اشتهر الخلاف في مراسيل الصحابة، وإن كانت عند عامة أهل العلم مقبولة، كما هو معلوم، لأن إطباقهم على هذه التسمية - بغض النظر عن سببه - دليل واضح على دخول صورة رواية المعاصر الملاقي لما لم يسمعه في مسمى الإرسال.
2 -ثانيًا: إطباق النقاد على تسمية ما رواه التابعي المخضرم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وهذا دليل واضح أيضًا على دخول صورة رواية المعاصر غير الملاقي في مسمى الإرسال.
3 -ثالثًا: ما يذكره الأئمة في تراجم الرواة من أن فلانًا عن فلانٍ مرسل، مع وجود المعاصرة بينهما، بل مع وجود اللقاء كقولهم فلان لم يسمع من فلان إلا حديثين مثلًا والباقي مرسل، وهذا كثير في أقوالهم، بل قد سمى الأئمة الكتب التي تعتني بعدم سماع الرواة بعضهم من بعض كتب المراسيل، وقد أثبتوا فيها كثيرًا من الرواة، ونصوا على عدم سماعهم لبعض حديث من عاصروهم، أو عدم سماعهم من بعض من عاصروهم مطلقًا.
4 -رابعًا: ما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه حيث قال:"وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعًا كثيرًا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية، فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانًا، ولا يسمي من سمع منه، وينشط أحيانًا، فيسمي الرجل الذي حمل عنه الحديث، ويترك الإرسال، وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض من فعل ثقات المحدثين وأئمة أهل العلم، ... وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم…لِما بينا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار، أنهم كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالا ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا، فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا، كما شرحنا ذلك عنهم" [17] .
وهذا القول من مسلم دليل واضح على دخول رواية المعاصر الملاقي في مسمى الإرسال، وإذا كانت صورة رواية المعاصر الملاقي تدخل في مسمى الإرسال فغيرها من الصور من باب الأولى.
5 -خامسًا: ما ذكره الخطيب في باب المرسل، حيث قال:"باب الكلام في إرسال الحديث ومعناه وهل يجب العمل بالمرسل أم لا: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه"، ومثل الخطيب ببعض الأمثلة ثم قال:"فهذه كلها روايات ممن سمينا عمن لم يعاصروه، وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه"، ومثل ببعض الأمثلة ثم قال:"وكذلك الحكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخ لقيه إلا أنه لم يسمع ذلك الحديث منه، وسمع ما عداه" [18] .
فذكر الخطيب في هذا الباب الصور كلها، فقوله (عمن لم يعاصره) مدخل لرواية غير المعاصر في مسمى الإرسال، وقوله (أو لم يلقه) ، وكذلك قوله بعد ذلك (عاصره ولم يلقه) مدخل لرواية المعاصر غير الملاقي في مسمى الإرسال، وقوله (وكذلك الحكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخ لقيه) مدخل لرواية المعاصر الملاقي في مسمى الإرسال.
فقول الخطيب هذا صريح في جعل الصور الثلاث داخلة في مسمى الإرسال، وذلك لتصريحه بإطلاق اسم الإرسال عليها، أما تصريحه بإطلاق اسم الإرسال على (رواية المعاصر الملاقي) في آخر كلامه فواضح، حيث قال: (وكذلك الحكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخ لقيه) .
وأما تصريحه بذلك في (رواية المعاصر غير الملاقي) فلكونه عطفها على (رواية غير المعاصر) ، وهي الإرسال الظاهر، وقد شمل الصور كلها قوله: (إرسال الحديث الذي ليس بمدلس) ، فكان المعنى في ذلك واضحًا بأن الخطيب يجعل الصور الثلاث من قبيل الإرسال.
وقد تأول الشريف العوني - حفظه الله - هذا القول من الخطيب بتأويل بعيد لا يصح، فجعل المقصود بكلام الخطيب في الإرسال هنا هو الصورة الأولى فقط، وهي رواية غير المعاصر، وأما رواية المعاصر غير الملاقي، وكذلك المعاصر الملاقي فإنهما غير مقصودتين بكلام الخطيب عند الشريف العوني.