فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5970 من 36903

وإذا كانت العلل تدرك بالمخالفة والتفرد إلا أن ذلك متوقف على تتبع الناقد القرائن التي تنضم إليهما، وقدرته على تحديد نوعيتها التي لا تنضبط عادة بقواعد محددة، وفهمه ما تشير إليه من دقائق الأمور، مما يجعل علم العلل من أدق العلوم تطبيقا، وأصعبها معالجة. ومن هنا تبرز الأهمية لمعرفة نقطتي المخالفة والتفرد في ضوء منهج نقاد الحديث، وقد سبق أن الحكم على الأحاديث - تصحيحا أو تعليلا - لا يمكن إلا بعد معرفة هاتين النقطتين، وفهم مقتضى ما يحف بهما من القرائن. وإن كان الوقوف على تفرد الراوي ومخالفته لغيره ممكنا بالنسبة إلينا نحن المعاصرين عن طريق جمع الروايات والمقارنة بينها إلا أن معالجتهما تتوقف على قدر كبير من الفهم والخلفية العلمية الواسعة.

وبذلك يفسر قول ابن معين:''لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه ''، وقول الإمام أحمد: ''الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا''. وقول ابن المديني:''الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه (1) .

وعليه فإن مسألتي التفرد والمخالفة من أهم دلائل العلة، حين تنضم إليهما القرائن تنبه العارف بهذا الشأن أن ذلك التفرد أو المخالفة هو نتيجة خطأ ووهم من الراوي، ولذا تكون هاتان المسألتان بحاجة إلى مزيد من الشرح حتى يزول عنهما الغموض، فإنه إذا لم يعرف الباحث عناية النقاد بمعرفة تفرد الراوي ومخالفته، وأهمل تفاصيلهم فيهما، يكون قد أبعد النجعة، وبالتالي يصعب عليه الوقوف على حقيقة منهجهم في التصحيح والتضعيف، وفهم ما تضمنته مصطلحاتهم في ذلك من الأبعاد النقدية، كالتفرد والمنكر والغريب وزيادة الثقة، كما يأتي بيانها في مسألة المخالفة إن شاء الله.

(1) - نقله عنهم الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي 2/ 212.

ولذلك فإن هاتين النقطتين، وما يتعلق بهما من المسائل والمصطلحات تكون المحور الرئيس في المباحث الآتية، وإن كان بين المخالفة والتفرد نوع من التلازم، بحيث نرى بعض المتقدمين يكتفي بذكر أحدهما مستغنيا عن الآخر، كالإمام مسلم في مقدمته؛ حيث اكتفى بذكر المخالفة في مناسبة شرح المنكر، والإمام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة إذ ركز على التفرد (1) فإن الفصل بينهما لدى البحث والتقعيد يساعد القارئ على اهتمامه بالنقاط الجوهرية التي تكمن فيهما، دون أن يكون أمامه التباس وتداخل، ولذا فأول نقطة سأتطرق لها هي المخالفة.

مسألة المخالفة وما يتصل بها من المصطلحات

قال الإمام مسلم (رحمه الله تعالى) :''فاعلم! (أرشدك الله) أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقلي الحديث - إذا هم اختلفوا فيه - من جهتين:

إحداهما: أن ينقل الناقل حديثا بإسناد فينسب رجلا مشهورا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم (2) .

(1) - رسالة أبي داود إلى أهل مكة 1/ 29 (تحقيق محمد الصباغ، دار العربية، بيروت)

(2) - هذا نص واضح على أن العلة ليست خفية ولا غامضة بالنسبة إلى أهل العلم من النقاد، وكلما تتعمق المعرفة الحديثية تكون العلة أكثر وضوحا، وجلاء، ولا ينبغي أن يزاحمهم من لم يبلغ درجتهم فيها، ويرفض حكمهم بحجة أنه لم يتضح له ذلك، وقد قال بعض المعاصرين غرورا: ''ولا أقبل العلة إلا إذا ظهر ت مثل الشمس''، وهو يرد بهذه الحجة الواهية ما صدر عن الإمام البخاري وغيره من الأئمة من التعليل.

والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظا، على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت