فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5968 من 36903

ثانيا: معرفة صحة الحديث وضعفه لا تكون مجازفة، بل تكون كمعرفة الصيرفي بالأحجار الكريمة

ثالثا: موقف هذا الفقيه الجليل من فقهاء أهل الرأي تجاه الأحكام التي صدرت من أبي حاتم وأبي زرعة، واعترافه بالتخصص الحديثي؛ حيث رأيناه قد سلم لهما الأمر في تصحيح الحديث وتضعيفه، بعد أن أدرك هذا الفقيه حقيقة علم الحديث، وما يتميز به كل من أبي حاتم وأبي زرعة الرازي من قدرة خاصة على فهم ملابسات الحديث، وكشف ما يقع فيه من الأخطاء.

ولعلنا قد انتبهنا إلى ذلك الخلق النبيل، والتواضع العلمي، والأدب الجم!!

(1) - كذا في الكتاب، وهو غير مستقيم المعنى ولعله (فقد علمت ذلك) .

(2) - تقدمه الجرح والتعديل 1/ 349 - 351.

وأنا أسوق هنا بعض النصوص التي تدلنا على عمق هذا العلم، وأن أصحابه هم المحدثون النقاد، دون غيرهم من أصحاب العلوم الشرعية الأخرى:

يقول الإمام مسلم (رحمه الله) : ''واعلم (رحمك الله) أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم… وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح'' (1) اهـ.

يقول الحاكم:'' فرب إسناد يسلم من المجروحين غير مخرج في الصحيح، ثم أورد من طريق أبي حاتم الرازي حدثنا نصر بن علي حدثنا أبي عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل) . هذا حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت، وذكر (النهار) فيه وهم و الكلام عليه يطول'' (2) .

وساق أيضا من طريق محمد بن حيان التمار حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه.

وقال الحاكم: هذا إسناد تداوله الأئمة والثقات وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله بها.

ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري، على أنه صدوق مقبول. اهـ (3) .

وساق أيضا من طريق الحسن بن عيسى حدثنا ابن المبارك حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن القاسم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال: اللهم صَيِّبا هنيئا.

(1) - مسلم بن الحجاج، التمييز ص: 218

(2) -معرفة علوم الحديث ص: 58.

(3) - معرفة علوم الحديث ص:59 - 60.

وقال الحاكم: هذا الحديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه، ففي هذه الأحاديث الثلاثة قياس على ثلاث مائة أو ثلاثة آلاف أو أكثر من ذلك. إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما خفي من علة الحديث.

فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته اهـ (1) .

وهذا الجانب العلمي الدقيق هو من سمات منهج المحدثين في تنقية الأخبار والأحاديث، وهذا الحافظ السخاوي يسلط الضوء على ذلك بقوله:

''وهو - يعني ما تضمنته قصة أبي حاتم مع أحد جلة فقهاء أهل الرأي- أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبه الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة''.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت