فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5960 من 36903

وقد يقال: إن إطلاق العلة - بغض النظر عن فحوى كلام الحاكم، وبعيدا عن سياقه - على أحاديث الثقة أمر اصطلاحي، ولا مشاحة في ذلك، ولا يعني بذلك أن أحاديث الضعفاء ليس فيها خطأ، لكن يعبر عن خطئهم فيها بمصطلح آخر، كمنكر، أو باطل أو غير ذلك.

(1) - ههنا لفتة علمية لا بد من التلويح إليها، وهي أن كثيرا من المتأخرين والمعاصرين يجعلون أحاديث الثقات ميدان العلة والشذوذ، ويفرقون بينهما في المفهوم، وفي الوقت ذاته يصححون الحديث الذي رواه الثقة، على الرغم من مخالفته من هو أوثق منه، أو تفرده به، تمهيدا للاستدلال به على الأحكام الفقهية أو العقدية، أو للدفاع عن مذهب أو رأي يذهبون إليه، وإذا وقفوا على أن الحديث قد أعله ناقد بالتفرد أو المخالفة يعقبون عليه بقولهم: ''كلا! إنه ثقة لا يضر تفرده ''، أو ''زيادة الثقة مقبولة '' أليس هذا مفارقة عجيبة بين الحكم النظري والتطبيقي!! إذ يجعلون العلة والشذوذ خاصتين بما رواه الثقة نظريا، بينما يجعلونهما خاصتين بما رواه الضعيف دون غيره عمليا، فإنهم لا يرفضون الحديث إلا إذا كان راويه ضعيفا، سواء تفرد به أم خالفه الثقات. وهنا شيء يلفت الانتباه؛ وهو أن بعض إخواننا المعاصرين يقبلون حديث الراوي الضعيف مع تفرده به أو مخالفته الثقات، ويحكمون بأنه حسن لغيره بموجب الشواهد أو المتابعات القاصرة، أي إنهم يقومون - دون أن يشعروا - بإلغاء مصطلحات العلة ونفيها من الوجود.

أقول: لا مانع من ذلك، إذا كان الأمر يخص عمل هؤلاء الذين فرقوا بين المصطلحات وحدهم، وأما إذا كان الأمر في معالجة مصطلحات أهل التخصص فلا ينبغي حملها إلا فيما استخدموه، دون تغيير في منهجهم أو تبديل في ألفاظهم، وإلا فسيؤدي ذلك إلى خلل كبير في بناء تصوراتنا حول منهج المحدثين النقاد، وكتبهم في العلل التي تضم أحاديث الضعفاء والثقات، لمعالجة عللها وبيان صوابها، ودون تفريق بينها بتلك المصطلحات.

وبعد أن تم تحرير ميدان وقوع العلة يأتي الحديث عن القضية الثانية، وهي التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة.

التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة

ما ينبغي ذكره هنا أنه يمكن أن نستخلص مما سبق أن العلة كلها قادحة، لأنها دالة على وهم الراوي وخطئه، ويكون الخطأ قادحا في صحة ما وقع فيه الخطأ، وقد يكون ذلك في الإسناد أو في المتن أو في كليهما، ولا تخرج العلة عن أن تكون قادحة، ولهذا جاء تعريف العلة متضمنا ذلك حين قالوا: ''إن العلة عبارة عن سبب غامض يقدح في صحة الحديث''.

وعلى الرغم من اتفاق المتأخرين على ذكر القدح في تعريف العلة كقيد وشرط، فإنهم في الوقت ذاته يقسمونها إلى قادحة وغير قادحة!! ولعل هذا التقسيم لخلفيتهم العلمية المزدوجة، التي لا تتفق مع منهج المحدثين في نقد الحديث، كما سيتضح لنا من المثال الآتي.

روى مخلد ويعلى بن عبيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم حديثا في خيار البَيِّعين (1) . يقول النقاد: هذا وهم من مخلد ويعلى إذ أضافا الحديث إلى عمرو بن دينار، وهو لم يحدث به، والصواب: أن هذا الحديث إنما رواه عبد الله بن دينار، وليس عمرو بن دينار. وهذه العلة في الإسناد غير قادحة في صحة المتن، لأنه صح عن سفيان من طرق أخرى.

(1) - رواه النسائي في 7/ 250 من طريق مخلد به، والطبراني في الكبير 12/ 448 من طريق يعلى بن عبيد به.

وبهذا وغيره قالوا: العلة قد تكون غير قادحة، أي لا تقدح في صحة المتن، والواقع أن ذلك لا ينفي كون تلك العلة قادحة، إذ لا يختلف اثنان على عدم صحة روايتهما، وأن العلة هنا أصبحت قادحة في صحة الحديث عن عمرو بن دينار، وإن كان المتن صحيحا.

كما أن الاضطراب حول اسم الصحابي الذي روى الحديث، أو راويه الثقة لا يعدونه علة قادحة أيضا، لأنه أيا كان هذا الراوي فالحديث لا يخرج من رواية الثقة، سواء أ كان هو هذا الثقة أم ذاك الثقة، أو هذا الصحابي أو ذاك الصحابي، بخلاف الاضطراب الذي يكون حول الراوي الثقة والضعيف؛ فإنه يضر حينئذ في صحة الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت