فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5958 من 36903

وقد يطرح القارئ في هذه المناسبة سؤالا، وهو: أليس هذا الأمر متناقضا مع التصور العام لدى كثير من المتأخرين والمعاصرين حول العلة وما يتعلق بها من المسائل؟ إذ العلة لا تطلق إلا على مرويات الثقات، وأنها تنقسم إلى قادحة وغير قادحة.

وللإجابة عن هذا السؤال أقول: إن هذا التصور مبني على خلفيات علمية، قد لا تتفق مع منهج المحدثين النقاد، وتفصيلها فيما يلي؛ أولا: ميدان وقوع العلة.

ميدان وقوع العلة

يظن كثير من المتأخرين أن العلة لا تطلق على مرويات الضعفاء، وأن ميدانها مرويات الثقات، وفي تعريفهم للعلة إشارة إلى ذلك، وهو فيما قاله ابن الصلاح:

''عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث''

والحديث المعلل: ''هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها'' (1) .

(1) - مقدمة ابن الصلاح، ص: 90

فإذا كان القصد من سلامة الظاهر، وغموض السبب وخفائه أن يكون الحديث المعلول من مرويات الثقات، كما هو واضح من كتب المصطلح، فإن حديث الضعيف يخرج من تعريف العلة، وذلك بسبب هذا القيد، لكون الراوي ضعيفا، وبالتالي يتعين أن تكون مرويات الثقات هي ميدان وقوع العلة.

ولعل مستندهم في ذلك، هو ما قد يفهم من ظاهر قول الإمام الحاكم، وهذا نصه:

'' وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات؛ أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير '' اهـ (1)

ولا شك في أنه يفهم من ظاهر هذا النص أن ميدان العلة هو أحاديث الثقات، دون أحاديث الضعفاء، إذ قال ''ليس للجرح فيها مدخل '' أي ليس لضعف الراوي مدخل في تعليل الحديث؟

بيد أنه تترتب على هذا الفهم بعض الإشكالات. ولتوضيح ذلك أطرح التساؤلات الآتية:

ما معنى كلمة '' الثقة '' هنا في هذا السياق؛ هل معناها هو الذي يتبادر إليه الذهن الآن، وهو كون الراوي حافظا متقنا، أو أن معناها أعم من ذلك؟ وهو أن يكون الراوي حسن السلوك وصدوق اللهجة، غير متعمد الخطأ، وبالتالي قد يكون الراوي الموصوف بأنه ثقة: متقنا وضابطا، وقد يكون ضعيفا غير متقن.

ماذا يعني بالمجروح؛ هل هو الضعيف عموما أو المتروك خاصة دون الضعيف غير المتروك؟

ماذا يعني بالكثرة في قوله ''وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات''؟

ما معنى لفظة '' الجرح '' في قوله: ''ليس للجرح فيها مدخل''

ومن خلال الإجابة عن هذه التساؤلات تتجلى الإشكالات الواردة في حمل قول الحاكم على أن مرويات الثقات هي التي تكون ميدانا لوقوع العلة، دون مرويات الضعفاء.

(1) - معرفة علوم الحديث، ص:211.

وإذا كان من الممكن تفسير كلمة ''الثقة'' بأنه العدل الضابط القليل الأخطاء، فإن هذا التفسير لا يتسق مع قوله ''وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات''، إلا إذا حمل هذا القول على غير ظاهره، وذلك لأن العلة إذا كانت كثيرة في أحاديث الراوي فإن هذا الراوي لا يكون ثقة، إذ الثقة عدل ضابط قليل الخطأ، أي قليل الروايات المعلولة، ولذلك فإن قوله ''وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات'' لا ينبغي حمله على ظاهره، وإنما يكون معناه كما أوضحه الحاكم نفسه بقوله '' أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير''.

يعني بذلك أن العلة تكثر عادة في أحاديث الثقة من جهة كون العلة بعيدة عن شعور من يتلقى الحديث منه ثم يرويه عنه لثقته بحاله، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار حديثه وشهرته بين الحفاظ، وهذا معنى قول الحاكم '' وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات''، ولا يعني بذلك أن مرويات الثقات كثيرة العلل حقيقة، وإلا فإن الراوي الذي كثرت في مروياته العلل لا يكون ثقة أبدا، وإنما يكون ضعيفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت