فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5952 من 36903

إن طبيعة كتابات"شاخت"المتعلقة بالسنة النبوية تنتمي إلى نوعية البحوث التاريخية بحسب المقاييس الغربية، كما أن النص الذي نقلناه آنفًا هو لمؤرخ فرنسي توفي سنة 1929م، وقد صدر كتابه الذي نقلنا منه في سنة 1898م (2) ، وهو معتمد على مراجع ألمانية منها كتاب"متن في المنهج التاريخي"لأرنست مانهايم، فلذلك أستبعد أن يكون"شاخت"- الذي هو من أصل ألماني ويكتب باللغة الفرنسية كما ورد معنا في ترجمته -، لم يطلع على القواعد المذكورة آنفًا في أحد المراجع، إلا أن يكون كتب بحوثه التاريخية من دون أن يتعلم منهج البحث التاريخي!.

(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص 114 - 116) .

(2) انظر مقدمة عبدالرحمن بدوي لهذا الكتاب في"النقد التاريخي" (ص 9) .

لقد خالف"شاخت"تلك القواعد في عدد من كتاباته، ومن ذلك مثلًا أنه فسر كلمة"الفتنة"التي وردت في كلام ابن سيرين الذي يقول فيه: (( لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت"الفتنة"، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ) ) (1) ، بقوله: (( الفتنة التي بدأت بمقتل الوليد بن يزيد"ت 126 ه"، على مقربة من نهاية الدولة الأموية، كان تاريخًا مصطلحًا عليه، لاعتباره نهاية الأيام الجميلة القديمة ... وبما أن تاريخ وفاة ابن سيرين هو 110 ه، لذلك لا بد أن نعد نسبة هذا الكلام إلى ابن سيرين غير صحيحة، والأثر موضوع. وعلى كل فليس هناك ما يدعو إلى أن نقبل أن بداية الإسناد تسبق في وجودها بداية القرن الثاني الهجري ) ) (2) .

وبناء على مقتضى القواعد التي تقدم ذكرها في منهجية الفهم من النصوص التاريخية، سنرى أن تفسير"شاخت"متعسف جدًا لما يلي:

1 -من المعلوم أن ابن سيرين ولد عام 33 ه، وتوفي عام 110 ه، وله من العمر 77 سنة (3) ، فالزعم أن معنى الفتنة يقصد بها مقتل الوليد بن يزيد سنة 126 ه، مصادم لتاريخ وفاة ابن سيرين.

2 -بالنظر في مصطلح الفتنة عند ابن سيرين وجدناه يطلقها على ما جرى بين صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قتال بسبب مقتل عثمان رضي الله عنه، ففي نص صحيح السند عن ابن سيرين نفسه يقول فيه: (( هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف، فما خف لها منهم مائة ) ) (4) .

(1) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 15) .

(2) نقلًا عن دراسات في الحديث النبوي (2/ 394 - 395) .

(3) انظر تهذيب الكمال (25/ 353 - 354) .

(4) العلل ومعرفة الرجال لأحمد (2/ 466) .

ومن المعروف أنه يستحيل أن يكون هذا العدد الكبير من الصحابة على قيد الحياة سنة 126 ه حين مات الوليد بن يزيد، مما يرجح أن المقصود هو ما حدث من قتال بين معسكري علي ومعاوية رضي الله عنهما بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وفي نص آخر عن ابن سيرين قال: (( عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن.

قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. أو قال في الفتنة. قال فضحك علي )) (1) . ففي هذا النص دلالة واضحة على أن مصطلح الفتنة في هذه الرواية التي جاءت من طريق ابن سيرين نفسه المراد بها قتال علي رضي الله عنه لخصومه.

وفي نص آخر أيضًا قال ابن سيرين: (( قال: قال رجل: ما منا أحد أدركته الفتنة إلا لو شئت لقلت فيه، غير ابن عمر ) ) (2) . ومن المعروف أن ابن عمر رضي الله عنهما قد اعتزل الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، فلم يشارك مع أحدهما ضد الآخر.

3 -النظر في سياق النص يعطينا دلالة واضحة على أن ابن سيرين يتحدث عن عادة ظهرت قبل أيامه، لذلك يستعمل ضمير الغائب في النص كله:"كانوا لا يسألون … قالوا: سموا لنا …"، ولم يستعمل ضمير المتكلم، فعدوله عن استعماله إلى ضمير الغائب مع صيغة الماضي يشير في الواقع إلى أن هذا الاتجاه سابق له، ومتقدم عليه (3) .

(1) المصنف لعبدالرزاق (7/ 291) .

(2) السنن لسعيد بن منصور (2/ 399) .

(3) دراسات في الحديث النبوي (2/ 396) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت