وتفنن في علوم الإِسلام. وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى---.
قلت: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشفف بالمحبة، والإِنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أرَ في معناه مثله.
وقد امتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردًا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القراَن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة.
وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه"قصيدته النونية الطويلة"في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره.
وقال القاضي برهان الدين الزرعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
ودرس بالصدرية. وأمَّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة.
وصنف تصانيف كثيرة جدًا في أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره).
انتهى مع شيء من حذف مشارٍ إليه.
وترجمه الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة) (3/ 243 - 245) فكان مما قاله فيه:
(وكان جرئ الجنان واسع العلم عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه.
وكان مغرى بجمع الكتب فحصل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.
وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها يتعانى الإيضاح جهده فيسهب جدًا ومعظمها من كلام شيخه يتصرف في ذلك وله في ذلك ملكة قوية ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها).
وقال العلامة الشوكاني في (البدر الطالع) (2/ 143 - 146) في ترجمته:
(--- ابن قيم الجوزية الحنبلي: العلامة الكبير المجتهد المطلق المصنف المشهور.
وبرع في جميع العلوم وفاق الأقران واشتهر في الآفاق وتبحر في معرفة مذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان (1) لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي نشر علمه بما صنفه من التصانيف الحسنة المقبولة.
قال الذهبي في (المختص) (2) : حبس (3) مدة لإنكار شد الرحل لزيارة قبر الخليل، ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم؛ ولكنه معجب برأيه جريء على أمور، انتهى
قلت: بل كان متقيدًا بالأدلة الصحيحة معجبًا بالعمل بها غير معول على الرأي صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا ونعمت الجرأة.
وله من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين بحيث تعشق الأفهام كلامه وتميل إليه الأذهان وتحبه القلوب؛ وليس له على غير الدليل معول في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى المذهب (4) الذي نشأ عليه ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعله غيره من المتمذهبين (5) ، بل لا بد له من مستند في ذلك؛ وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال؛ واذا استوعب الكلام في بحث وطوّل ذيوله أتى بما لم يأت به غيره وساق ما ينشرح له صدر الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل؛ وأظنها سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء والقيام معه في محنه ومواساته بنفسه وطول تردده إليه، فإنه ما زال ملازمًا