قال أبو عمر ابن عبد البر: لا أعلم لمن كره العمرة في السنة مرارًا حُجةً من كتاب ولا سنة يجب التسليم لمثلها والعمرة فعل خير وقد قال الله عز وجل: { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (1) فواجب استعمال عموم ذلك والندب إليه حتى يمنع منه ما يجب التسليم به ، (2) قلت: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر عائشة رضي الله عنها بالإعتمار مرتين في عام واحد بل في وقت واحد ليس بينهما إلا التحلل ، (3) ورغب في الإكثار من الاعتمار بقوله (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) (4) وأما استدلالهم بقياس العمرة على الحج فلا ينتهض للاحتجاج: لأنه قياس مع الفارق وفي مقابل النص وهو فاسد الاعتبار ، ومن الفوارق بين الحج والعمرة: أن الحج مقيد بزمن معين والعمرة بخلاف ذلك ، وأما الآثار التي رويت عن ابن عمر وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين والحسن البصري من كراهية تكرار العمرة في السنة الواحدة ، فلا حجة فيها أيضًا لعدة أمور: منها أن ابن عمر تقدم عنه خلاف ذلك من اعتماره كل يوم في أيام ابن الزبير ، ومن جواز تكرار العمرة عنده في السنة أكثر من مرة ،
الثاني: أن قول محمد بن سيرين والحسن البصري وإبراهيم النخعي رحمهم الله بكراهة تكرير العمرة في السنة الواحدة أكثر من مرة لاتعارض به السنة الصحيحة الصريحة في ترغيبه صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الاعتمار ، والسنة حجة بذاتها فلا تعارض بعمل أحد كائنًا من كان: لأنها كلام المعصوم الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، ولهذا جرى عمل الصحابة وأكثر التابعين وجمهور الأمة من السلف والخلف كما تقدم على جواز تكرار العمرة في السنة الواحدة أكثر من مرة .
(1) سورة الحج من الآية ( 77 ) .
(2) التمهيد 20 / 20 .
(3) سبق تخريجه في المطلب الثاني: حكم العمرة من التنعيم .
(4) سبق تخريجه في المطلب الأول: فضل العمرة .