فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 57

التعقيب على كلام المحب الطبري في قوله: ( لم ينقل تكرار العمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة والتابعين )

قلت:

فيه نظر: لأن الأحاديث الصحيحة الصريحة المتقدمة في أمره - صلى الله عليه وسلم - لعائشة بالإعتمار من التنعيم بعد تحللها من الحج والعمرة التي كانت قارنة معه ، والآثار الكثيرة المتقدمة عن الصحابة والتابعين الدالة على جواز الموالات بين العمرة والعمرة ، والعمرة والحج: فهي صريحة في تكرار العمرة مطلقًا ، وهوخلاف ما ذهب إليه المحب الطبري في كلامه المتقدم .

وأما ترجيحه لأفضلية الطواف أو البقاء عند البيت على العمرة فغير واضح ، لأن التفضيل يحتاج إلى دليل ، ولا مجال فيه للرأي ولا الإجتهاد .

ولا شك أن كون المسلم محرمًا بالنسك ومتلبسًا بالعبادة أفضل من كونه حلالًا يطوف بالبيت أو باقيًا عنده ، لأن في ذهابه إلى الميقات وإيابه متلبسًا بنسك العمرة زيادة عمل في طاعة وزد على ذلك باقي أعمال العمرة من طواف وسعي وحلق ، فبهذا: الذي يترجح عندي هو أن العمرة أفضل من الطواف أو البقاء عند البيت خلافًا لما ذهب إليه المحب الطبري في كلامه المتقدم وذلك: لأن الأرض لا تقدس أحدًا كما قال سلمان لأبي الدرداء لما كتب له يقول: هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان ( إن الأرض لا تقدس أحدًا ولا تطهره من ذنوبه ولا ترفعه إلى أعلى الدرجات ، وإنما يقدس الإنسان عمله الصالح في أي مكان ) (1) .

وبهذا يتبين لي رجحان: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: من جواز الإحرام بالعمرة من التنعيم لمن كان بمكة سواء من أهلها أو ممن قدم إليها من الآفاق وطرأت عليه نية العمرة وهو بها كما هو الحال في غيرها من الحل الذي دون المواقيت فإنه يحرم من مكانه الذي طرأت عليه فيه نية العمرة ، للأدلة الصحيحة الصريحة التي استدلوا بها والله تعالى أعلم .

(1) انظر: صفوة الصفوة لابن الجوزي 1 / 548 ، وشرح الزرقاني 4 / 93 ، ومجموع فتاوى ابن تيمية 27 / 45 ، ومغني المحتاج للشربيني 4 / 372 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت