وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها.
لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم والمراد به أمته أو لكل أحد. فَتَقْعُدَ فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه. مَذْمُومًا مَخْذُولًا جامعًا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحًا منصورا.
وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (23)
وَقَضى رَبُّكَ وأمر أمرًا مقطوعا به. أَلَّا تَعْبُدُوا بأن لا تعبدوا. إِلَّا إِيَّاهُ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإِنعام، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة. ويجوز أن تكون أن مفسرة ولا ناهية. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وبأن تحسنوا، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانًا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإِحسان لأن صلته لا تتقدم عليه. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما إِمَّا هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدًا ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل، وأحدهما فاعل يَبْلُغَنَّ وبدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين» ، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلًا أو بدلًا ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدًا للألف، ومعنى عِنْدَكَ أن يكونا في كنفك وكفالتك. فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدل على تضجر. وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافعٍ وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. وقرئ به منونًا وبالضم للاتباع كمنذ منونًا وغير منون، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياسًا بطريق الأولى. وقيل عرفًا كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير، ولذلك منع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإِحسان بهما. وَلا تَنْهَرْهُما ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ.
وقيل النهي والنهر والنهم أخوات. وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر. قَوْلًا كَرِيمًا جميلًا لا شراسة فيه.
[سورة الإسراء (17) : آية 24]
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (24)
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ تذلل لهما وتواضع فيهما، وجعل للذل جناحًا كما جعل لبيد في قوله:
وَغَدَاةَ رِيحٍ قَدْ كشفت وَقرة ... إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا
للشمال يدًا أو للقرة زمامًا، وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل. وقرئ «الذل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول. مِنَ الرَّحْمَةِ من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس. وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما. كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين.
روي: أن رجلًا قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن أبوي بلغا من الكبر أني أَلي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما. قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما) .