فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 139

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } سورة الأنفال .

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالاسْتِجَابَةِ إلَى دَعْوَتِهِ تَعَالَى ، وَإِلَى دَعْوَةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - التِي أَمَرَهُ اللهُ بِإِبْلاَغِهَا إِلَيْهِمْ ، لأَنَّهَا تُزكِّي نُفُوسَهُمْ وَتُطَهِّرُهَا ، وَتُحْيِيها بِالإِيمَانِ ، وَتَرْفَعُها إلَى مَرَاتِبِ الكَمَالِ فَتَحْظَى بِرِضَا اللهِ ، ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى قُلُوبِ العِبَادِ يُوَجِّهُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ، فَيَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَبَيْنَ قَلْبِهِ ، فَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ وَالوِجْدَانَ وَالإِدْرَاكَ فِيهِ ، فَتُشَلُّ الإِرَادَةِ ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ ، وَيَتْبَعُ هَوَاهُ ، فَلاَ تَعُودُ تَنْفَعُ فِيهِ المَوَاعِظُ وَالعِبَرُ . وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا تَرَدَّوْا فِيهِ ، إِذَا اتَّجَهُوا إلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ .

ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّونَ .

يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ وُقُوعِ البَلاَءِ وَالفِتَنِ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ نَحْوَ دِينِهِم وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الجِهَادِ ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ، وَفِي الضَّرْبِ عَلَى أَيْدِي المُفْسِدِينَ ، وَفِي النُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ، وَفِي إِطَاعَةِ أُوْلِي الأَمْرِ . وَيُنَبِّهُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّ العِقَابَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُقَصِّرَةِ بِالقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا لاَ يُصِيبُ السَّيِّىءَ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا يَعُمُّ بِهِ المُسِيءَ وَغَيْرَهُ ، وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تُخَالِفُ سُنَنَهُ وَهُدَى دِينِهِ ، وَتُقَصِّرُ فِي دَرْءِ الفِتَنِ ، وَفِي التَّعَاوُنِ عَلَى دَفْعِهَا ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهَا .

( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ )

إن رسو ل الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يدعوهم إلى ما يحييهم . . إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة ، وبكل معاني الحياة . .

إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول ، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة ، ومن ضغط الوهم والأسطورة ، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة ، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء . .

ويدعوهم إلى شريعة من عند الله؛ تعلن تحرر « الإنسان » وتكريمه بصدورها عن الله وحده ، ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها؛ لا يتحكم فرد في شعب ، ولا طبقة في أمة ، ولا جنس في جنس ، ولا قوم في قوم . . ولكنهم ينطلقون كلهم أحرارًا متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد .

ويدعوهم إلى منهج للحياة ، ومنهج للفكر ، ومنهج للتصور؛ يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة ، المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان ، العليم بما خلق؛ هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد؛ ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء .

ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم ، والثقة بدينهم وبربهم ، والانطلاق في « الأرض » كلها لتحرير « الإنسان » بجملته؛ وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده؛ وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله ، فاستلبها منه الطغاة!

ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله ، لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس؛ وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة؛ ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه؛ حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده؛ وعندئذ يكون الدين كله لله . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة .

ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة .

إن هذا الدين منهج حياة كاملة ، لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها . وفي كل مجالاتها ودلالاتها . والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } .

استجيبوا له طائعين مختارين؛ وإن كان الله - سبحانه - قادرًا على قهركم على الهدى لو أراد:

{ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } . .ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة . . { يحول بين المرء وقلبه } فيفصل بينه وبين قلبه؛ ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه ، ويصرفه كيف شاء ، ويقلبه كما يريد . وصاحبه لا يملك منه شيئًا وهو قلبه الذي بين جنبيه!

إنها صورة رهيبة حقا؛ يتمثلها القلب في النص القرآن ، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب ، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس!

إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة ، والحذر الدائم ، والاحتياط الدائم . اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته؛ والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس . . والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته ، أو غفلة من غفلاته ، أو دفعة من دفعاته . .

ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه: « اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . فكيف بالناس ، وهم غير مرسلين ولا معصومين؟!

إنها صورة تهز القلب حقًا ، ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات ، ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه ، وهو في قبضة القاهر الجبار ، وهو لا يملك منه شيئا ، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير!

صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

ليقول لهم: إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة ، ولكنه - سبحانه - يكرمكم؛ فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر؛ وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان . . أمانة الهداية المختارة؛ وأمانة الخلافة الواعية ، وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة .

{ وأنه إليه تحشرون } . .فقلوبكم بين يديه . وأنتم بعد ذلك محشورون إليه . فما لكم منه مفر . لا في دنيا ولا في آخرة . وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور ، لا استجابة العبد المقهور .

ثم يحذرهم القعود عن الجهاد ، وعن تلبية دعوة الحياة ، والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، واعلموا أن الله شديد العقاب } . .والفتنة: الابتلاء أو البلاء . . والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين؛ ولا تأخذ الطريق على المفسدين .. جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ( فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع؛ بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها! ) وهم ساكتون . ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون!

البابُ الرابع

متى يتخلَّى الله عنا ويخذلنا ؟

يتخلى الله تعالى عنا إذا فعلنا الأشياء التالية أو أكثرها:

1.عدمُ الإنفاق في سبيل الله:

قال تعالى: آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) [الحديد/7-11]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالإِيْمَانِ بِهِ ، وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ ، وَيَحثُّهُمْ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي أَوْجُهِ الطَّاعَاتِ ، مِنَ المَالِ الذِي أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الأَمَانَةِ أَوِ الإِعَارَةِ ، لأَنَّ هَذَا المَالَ كَانَ مِنْ قَبْلُ ، فِي أَيدِي أُنَاسٍ آخَرِينَ ، فَصَارَ إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ يَمُوتُونَ هُمْ وَيَتْركُونَهُ فَيَخْلُفُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ

وَيُرَغِّبُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ فِي الإِنْفَاقِ فِي أَوْجُهِ الطَّاعَاتِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الذِينَ آمِنُوا وَأَنْفَقُوا فِي أَوْجُهِ الخَيْرِ وَالبِرِّ سَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ جَزَاءً حَسَنًا ، وَسَيُؤْتِيهِمْ أَجْرًا كَبِيرًا .

( وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي ، مَالِي ، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ") . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

وَأَيُّ شَيءٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ ، وَالرَّسُولُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَيُبَيِّنُ لَكُم الحُجَجَ والبَرَاهِينَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَكُمْ بِهِ ، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ عَلَيْكُمُ المِيثَاقَ ، بِمَا نَصَبَ لَكُمْ مِنَ الأَدْلَّةِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ ، عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى دَلِيلٍ لَتُؤْمِنُوا ( أَوْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالدَّلِيلِ إِذَا جَاءَكُمْ ) .

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ ، لِيُخْرِجَكُمْ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ ، إِلَى نُورِ الإِيْمَانِ ، ومِنَ الضَّلاَلَةِ إِلَى الهُدَى ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ بِكُمْ جَعَلَ لَكُمْ عُقُولًا وَأَفْهَامًا للتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْكُم الرُّسُلَ بِالكُتُبِ مِنْهُ تَعَالَى لِتَهْتَدُوا بِهَا إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ ، وَإِلَى عَمَلِ الخَيْرِ ، وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، لِيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ وَيُجَنِّبَكُمْ عَذَابَ النَّارِ ، وَاللهُ عَظِيمُ الرَأْفَةِ بِالعِبَادِ ، وَاسِعُ الرَّحْمَةِ لَهُمْ .

وَمَا لَكُم يَا أَيُّها النَّاسُ لاَ تُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوالِكم فِي سَبيلِ اللهِ؟ أَتَخْشَوْنَ الفَقْرَ إِنْ أَنْفَقْتُمْ؟ أَنْفِقُوا وَلاَ تَخْشَوْا شَيْئًا ، فَإِنَّ الذِي أَنْفَقْتُمْ أَمْوالَكُمْ فِي سَبِيلهِ هُوَ مَالكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِكُمْ ، وَبِالإِخْلاَفِ عَلَيكُم { وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى تَفَاوَتَ دَرَجَاتِ المُنْفِقِينَ ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهم ، فَقالَ: إِنَّهُ لاَ يَسْتَوي مَنْ آمَنَ ، وَهَاجَرَ ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ في سَبِيلِ اللهِ ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ( أَوْ قَبْلَ صُلْحِ الحَدَيْبِيَةِ عَلَى قَوْلٍ ) ، مَعَ مَنْ آمنَ ، وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ ، فَالأَوَّلُونَ أَعْظَمُ دَرجةً عِنْدَ الله ، لأنَّ المُؤْمِنينَ قَبْلَ الفَتْحِ كَانُوا قَليلي العَدَدِ ، وَواجِبَاتُهُمْ كَثِيرةٌ وَثَقِيلةٌ ، أَمَّا بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدِ انْتَشَرَ الإِسْلامُ ، وَأَمِنَ النَّاسُ . وَاللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ .

( وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ الله قَوْلُهُ:"لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ") . ( رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ) .

مَنْ هَذَا الذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَطَمَعًا فِي مَثُوبَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ ، مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عِنْدَ اللهِ ، فَيَعُدُّ اللهُ لَهُ ذَلِكَ قَرْضًا للهِ تَعَالَى ، فَيُضَاعِفُ لَهُ ذَلِكَ القَرْضَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ، وَيُثيبُهُ مَثُوبَةً كَرِيمةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟

إن الله - سبحانه- يخاطب القلوب التي خلقها ، فهو يعلم أحوالها ، ويعرف مداخلها ، ويطلع على خوافيها . . وهو يعلم أن نقاء العقيدة ، وخلوص القلب واستقرار حقيقة الإيمان استقرارًا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة ، من بذل وتضحية وتقدمه خالصة لله . أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرًا؛ ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة . ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات؛ ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها ، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق . ويعالجها المرة بعد المرة ، والخطوة بعد الخطوة؛

ولا يكلها إلى هتاف واحد ، أو بيان واحد ، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب . . ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلًا؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه!

إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتاثير ، بحيث تزلزل القلوب الجامدة ، وتلين القلوب القاسية وتدعها مرهفة الحساسية . ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى ، وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية . { آمنوا بالله ورسوله ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } .

والمخاطبون هنا هم مسلمون ، ولكنهم يُدعون إلى الإيمان بالله ورسوله . فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها . وهي لفتة دقيقة . وهم يُدعون إلى الإنفاق ، ومع الدعوة لمسة موحية . فهم لا ينفقون من عند أنفسهم . إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه . وهو الذي { له ملك السماوات والأرض } . . فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه . وهو { يحي ويميت } . . فهو الذي استخلف جيلا ًمنهم بعد جيل .وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة . ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله ، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم ، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم؟! وفي نهنهة النفوس عن الشح ، والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء ، وما في أيديهم رهن بعطاء الله؟!

ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء ، ومن سماحة ورجاء . إنما يخاطبهم بمؤثر جديد . يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } . .

فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل؟

غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى .إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها: { وما لكم لا تؤمنون بالله ، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ، وقد أخذ ميثاقكم ، إن كنتم مؤمنين . هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور . وإن الله بكم لرؤوف رحيم } . .

فما الذي يعوقهم عن الإيمان - حق الإيمان - وفيهم الرسول يدعوهم إلى الإيمان . وقد بايعوه عليه وأعطوه ميثاقهم؟ وما الذي يعوقهم عن الإيمان بالله وهو ينزل على عبده آيات بينات تخرجهم من ظلمات الضلال والشك والحيرة إلى نور الهدى واليقين والطمأنينة؟ وفي هذا وذاك من دلائل الرأفة والرحمة بهم ما فيه .

إن نعمة وجود الرسول بين القوم ، يدعوهم بلغة السماء ، ويخاطبهم بكلام الله ، ويصل بينهم وبين الله في ذوات نفوسهم وخواص شؤونهم . . نعمة فوق التصور حين نتملاها نحن الآن من بعيد . . فهذه الفترة - فترة الوحي وحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فترة عجيبة حقًا . . إن الله - جل جلاله - يخاطب هذا البشر من صنع يديه ، على لسان عبده - صلى الله عليه وسلم - وفي رحمة علوية ندية يقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك ها هو ذا طريقي فاسلكوه لقد تعثرت خطاكم فهاكم حبلي! لقد أخطأتم وأثمتم فتوبوا وها هو ذا بابي مفتوح . تعالوا ولا تشردوا بعيدًا ، ولا تقنطوا من رحمتي التي وسعت كل شيء . . وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - قلت كذا . وهو خطأ . ونويت كذا . وهو إثم . وفعلت كذا وهي خطيئة . . فتعال هنا قدامي وتطهر وتب وعد إلى حماي . . وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - أمرك الذي يعضلك هذا حله . وسؤالك الذي يشغلك هذا جوابه . وعملك الذي عملت هذا وزنه!

إنه الله . هو الذي يقول . يقول لهؤلاء المخاليق . وهم يعيشون معه . يحسون أنه معهم . حقيقة وواقعًا . أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها . وأنه يرعاهم في كل خطوة ويعنى بها . .

ألا إنه لأمر فوق ما يطيق الذي لم يعش هذه الفترة أن يتصور . ولكن هؤلاء المخاطبين بهذه الآيات عاشوها فعلًا . . ثم احتاجوا إلى مثل هذا العلاج ومثل هذه اللمسات ، ومثل هذا التذكير . . وهو فضل من الله ورحمة فوق فضله ذاك ورحمته . يدركهما ويشعر بهما من لم تقدر له الحياة في هذه الفترة العجيبة

ورد في صحيح البخاري أن « رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومًا لأصحابه أي المؤمنين أعجب عليكم؟ قالوا الملائكة . قال » وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ « قالوا: فالانبياء . قال » وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ « قالوا فنحن . قال وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانًا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها » .وصدق رسول الله . إنه لأمر متفاوت . وإن موحيات الإيمان وموجباته لديهم لشيء هائل ، هائل ، عجيب عجيب . وهو يعجب: ما لهم لا يؤمنون؟ ثم يطلب إليهم تحقيق الإيمان في نفوسهم إن كانوا مؤمنين!

ثم ينتقل بهم من موحيات الإيمان وموجباته إلى موحيات الإنفاق وموجباته في توكيد وتكرير: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض } . .وفي هذه الإشارة عودة إلى حقيقة: { له ملك السماوات والأرض والى الله ترجع الأمور } . . فميراث السماوات والأرض ملكه وراجع إليه ، وما استخلفوا فيه إذن سيؤول اليه في الميراث! فما لهم لا ينفقون في سبيله حين يدعوهم الى الإنفاق . وهو استخلفهم فيه كما قال لهم هناك . وكله عائد إليه كما يقول لهم هنا؟ وما الذي يبقى من دواعي الشح وهواتف البخل أمام هذه الحقائق في هذا الخطاب؟

ولقد بذلت الحفنة المصطفاة من السابقين ، من المهاجرين والأنصار ، ما وسعها من النفس والمال ، في ساعة العسرة وفترة الشدة - قبل الفتح - فتح مكة أو فتح الحديبية وكلاهما اعتز به الإسلام أيام أن كان الإسلام غريبًا محاصرًا من كل جانب ، مطاردًا من كل عدو ، قليل الأنصار والأعوان . وكان هذا البذل خالصًا لا تشوبه شائبة من طمع في عوض من الأرض ، ولا من رياء أمام كثرة غالبة من أهل الإسلام . كان بذلًا منبثقًا عن خيرة اختاروها عند الله؛ وعن حمية لهذه العقيدة التي اعتنقوها وآثروها على كل شيء وعلى أرواحهم وأموالهم جميعًا . . ولكن ما بذلوه - من ناحية الكم - كان قليلًا بالقياس إلى ما أصبح الذين جاءوا بعد الفتح يملكون أن يبذلوه . فكان بعض هؤلاء يقف ببذله عند القدر الذي يعرف ويسمع أن بعض السابقين بذلوه! هنا نزل القرآن ليزن بميزان الحق بذل هؤلاء وبذل أولئك ، وليقرر أن الكم ليس هو الذي يرجح في الميزان؛ ولكنه الباعث وما يمثله من حقيقة الإيمان: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل . أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } . .

إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة ، والأنصار قلة ، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء . غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة ، والأنصار كثرة ، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال . ذلك متعلق مباشرة بالله ، متجرد تجردًا كاملًا لا شبهة فيه ، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده ، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب . لا يجد على الخير عونًا إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته . وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين .قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا زهير ، حدثنا حميد الطويل ، عن أنس ، قال: « كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد - -أو مثل الجبال - ذهبا ما بلغتم أعمالهم » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت