فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 139

قال تعالى: { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) [آل عمران/55-58] }

وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ فِيمَا تَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ إذْ بَشَّرَ اللهُ تَعَالَى عِيسَى بِأَنَّهُ سَيُنَجِّيهِ مِنْ مَكْرِ اليَهُودِ ، وَأنَّهُ سَيَسْتَوفِي أجَلَهُ ، وَأنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا مِنْهُ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ بِمَكْرِهِمْ وَخُبْثِهِمْ ، وَأنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ فِي مَكَانٍ رَفيعٍ عِنْدَ اللهِ ، وَأنَّّهُ سَيَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا بِأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه ، وَصَدَّقُوهُ فِي قَوْلِهِ { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَد } ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، ظَاهِرِينَ بِالقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى الذِينَ مَكَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ ، مِنَ اليَهودِ ، وَمَنْ سَارُوا بِسيرَتِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهُدَى عِيسَى ، وَسَيَسْتَمِرُّ هَذَا الظُّهُورُ وَالسُّلْطَانُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ . ثُمَّ يَصيرُ الجَمِيعُ إلى اللهِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أمُورِ الدِّينِ . فَأمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرِسَالةِ المَسِيحِ فَإنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا ، فِي الدُّنيا بِالقَتْلِ وَالسَّبْي ، وَأخْذِ الأمْوَالِ ، وَزَوَالِ المُلْكِ ، وَتَسْلِيطِ الأُمَمِ عَليهِمْ ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ فِي الآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَمَا لَهُمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأْسِهِ .وَأمَّا المُهْتَدُونَ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فَيُثِيبُهُمْ ثَوَابًا وَافِيًا عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، فِي الدُّنيا بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ ، وَفِي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ فِي جَنَّتِهِ ، وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ لِحُدُودِهِ ، وَلاَ يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا .

إِنَّ الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رَفَعَهُ اللَّه إِلَى السَّمَاء تَفَرَّقَتْ أَصْحَابه شِيَعًا بَعْده فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمَا بَعَثَهُ اللَّه بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَابْن أَمَته وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِيهِ فَجَعَلَهُ اِبْن اللَّه وَآخَرُونَ قَالُوا هُوَ اللَّه وَآخَرُونَ قَالُوا هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة .وَقَدْ حَكَى اللَّه مَقَالَتهمْ فِي الْقُرْآن وَرَدَّ عَلَى كُلّ فَرِيق فَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَة ثُمَّ نَبَغَ لَهُمْ مَلِك مِنْ مُلُوك الْيُونَان يُقَال لَهُ قُسْطَنْطِين فَدَخَلَ فِي دِين النَّصْرَانِيَّة قِيلَ: حِيلَة لِيُفْسِدَهُ فَإِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفًا وَقِيلَ: جَهْلًا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ لَهُمْ دِين الْمَسِيح وَحَرَّفَهُ وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ مِنْهُ وَوُضِعَتْ لَهُ الْقَوَانِين وَالْأَمَانَة الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ الْخِيَانَة الْحَقِيرَة وَأُحِلَّ فِي زَمَانه لَحْم الْخِنْزِير وَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِق وَصَوَّرُوا لَهُ الْكَنَائِس وَالْمَعَابِد وَالصَّوَامِع وَزَادَ فِي صِيَامهمْ عَشَرَة أَيَّام مِنْ أَجْلِ ذَنْب اِرْتَكَبَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ وَصَارَ دِين الْمَسِيح دِين قُسْطَنْطِين إِلَّا أَنَّهُ بَنَى لَهُمْ مِنْ الْكَنَائِس وَالْمَعَابِد وَالصَّوَامِع وَالدِّيَارَات مَا يَزِيد عَلَى اِثْنَيْ عَشَر أَلْف مَعْبَد وَبَنَى الْمَدِينَة الْمَنْسُوبَة إِلَيْهِ وَاتَّبَعَهُ طَائِفَة الْمَلَكِيَّة مِنْهُمْ وَهُمْ فِي هَذَا كُلّه قَاهِرُونَ لِلْيَهُودِ أَيَّدَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ أَقْرَب إِلَى الْحَقّ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيع كُفَّارًا عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه ،فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فَكَانَ مَنْ آمَنَ بِهِ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله عَلَى الْوَجْه الْحَقّ فَكَانُوا هُمْ أَتْبَاع كُلّ نَبِيّ عَلَى وَجْه الْأَرْض إِذْ قَدْ صَدَّقُوا الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ الْعَرَبِيّ خَاتَم الرُّسُل وَسَيِّد وَلَد آدَم عَلَى الْإِطْلَاق الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى التَّصْدِيق بِجَمِيعِ الْحَقّ فَكَانُوا أَوْلَى بِكُلِّ نَبِيّ مِنْ أُمَّته الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّته وَطَرِيقَته مِمَّا قَدْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ نَسَخَ اللَّه شَرِيعَة جَمِيع الرُّسُل بِمَا بَعَثَ اللَّه بِهِ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الدِّين الْحَقّ الَّذِي لَا يُبَدَّل وَلَا يُغَيَّر إِلَى قِيَام السَّاعَة وَلَا يَزَال قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا عَلَى كُلّ دِين ، فَلِهَذَا فَتَحَ اللَّه لِأَصْحَابِهِ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا وَاجْتَازُوا جَمِيع الْمَمَالِك وَدَانَتْ لَهُمْ جَمِيع الدُّوَل وَكَسَرُوا كِسْرَى وَقَصَرُوا قَيْصَر وَسَلَبُوهُمَا كُنُوزهمَا وَأُنْفِقَتْ فِي سَبِيل اللَّه كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ نَبِيّهمْ عَنْ رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْله"وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَستَخْلِفَنّهم فِي الْأَرْض كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينهمْ الَّذِي اِرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهم مِنْ بَعْد خَوْفهمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا"الْآيَة فَلِهَذَا لَمَّا كَانُوا هُمْ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ حَقًّا سَلَبُوا النَّصَارَى بِلَاد الشَّام وَأَلْجَئُوهُمْ إِلَى الرُّوم فَلَجَئُوا إِلَى مَدِينَتهمْ الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَا يَزَال الْإِسْلَام وَأَهْله فَوْقهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِق الْمَصْدُوق - صلى الله عليه وسلم - أُمَّته بِأَنَّ آخِرهمْ سَيَفْتَحُونَ الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَيَسْتَفِيئُون مَا فِيهَا مِنْ الْأَمْوَال وَيَقْتُلُونَ الرُّوم مَقْتَلَة عَظِيمَة جِدًّا لَمْ يَرَ النَّاس مِثْلهَا وَلَا يَرَوْنَ بَعْدهَا نَظِيرهَا وَقَدْ جَمَعْت فِي هَذَا جُزْءًا مُفْرَدًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وَجَاعِل الَّذِينَ اِتَّبَعُوك فَوْق الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعكُمْ فَأَحْكُم بَيْنكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. [1]

فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي ، وجاء به كل رسول ، وآمن به كل من آمن حقًا بدين الله . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان ، وحقيقة الاتباع . . ودين الله واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم . من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان .وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق .فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين ، فيقررها السياق في صدد إخبار الله لعيسى عليه السلام: { ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون . فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين . وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم . والله لا يحب الظالمين } . .وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء ، وللقسط الذي لا يميل شعرة ، ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء . . رجعة إلى الله لا محيد عنها . وحكم من الله فيما اختلفوا فيه لا مرد له . وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه . وتوفية للأجر للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا محاباة فيه ولا بخس . . { والله لا يحب الظالمين } . . فحاشا أن يظلم وهو لا يحب الظالمين . .وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات . وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل الله في جزائه من أماني خادعة . . باطل باطل لا يقوم على أساس

ــــــــــــــــــــ

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 483)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت