فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 139

قال تعالى: { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) [الأحقاف/21] }

ويُسَلِّي اللهُ تَعَالى رَسُولَه الكَريمَ عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ ، واسْتِهْزَائِهِمْ بهِ ، وَيُذَكِّرُهُ بِقَصَصِ الأَنبِيَاءِ الذِينَ قَبْلَهُ ، فَكَذَّبَهمْ أَقْوامُهُم ، وَاسْتَهْزَاؤوا بِهِمْ فَجَاءَ نَصْرُ اللهِ فَنَجَّى الرُّسُلَ وَالذِينَ آمَنُوا ، وأَهْلَكَ المُجْرِمينَ .وَهُنَا يَبْدَأُ تَعَالى بِسَرْدِ قِصَّةِ هُودٍ ، عَلَيهِ السَّلاَمُ ، مَعَ قُومِهِ عَادٍ ، وَقَدْ كَانوا يَسْكُنُونَ الأَحْقَافَ في مِنْطَقَةِ حَضْرَمَوْتَ ، جَنُوبيِّ الجَزِيرَةِ العَرَبيَّةِ ، فَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليهِمْ فَدَعَاهُم إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَذَكَّرَهُمْ بِأَنْعُمِ اللهِ عَلَيهِم ، وَبِما مَنَّ عَلَيهِمْ بِهِ من قُوَّةٍ وَغِنىً ، وَكَثْرَةِ عَدَدٍ ، وَأَنذَرَهُمْ بَأسَ اللهِ الشَّدِيدَ وَعِقَابَهُ إِن أَقَامُوا عَلى كُفْرِهم وَظُلْمِهِمْ . وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ قَبْلَ هُودٍ رُسُلًا آخرِينَ دَعَوا أَقْوَامَهُم إِلى الإِيمانِ باللهِ ، وَأَنْذَرُوهُمْ عَذَابَ اللهِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ ، وَحَثُّوهُمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللهِ ، وَعَلى إِفرادِهِ تَعَالى بِالأُلُوهِيَّةِ وَحْدَهُ . وَقَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ نَاصِحًا: إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ ، هُوَ َيَوْمُ القِيَامَةِ إِذا أَصَرُّوا علَى كَفْرهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ .فَرَدُّوا عَليه قَائِلِينَ: أَجِئتَنَا لِتَصْرِفَنَا عَنْ عِبَادَةِ آلهِتنا إِلى عِبَادةِ رَبِّكَ الذِي تَدْعُونا إِليهِ ، فَعَجِّلْ لَنَا بِإِنْزَالِ العَذَابِ عَلَينا ، إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقينَ في وَعِيدِكَ لَنا ( وَهُوَ أَنَّ رَبَّكَ سَيُنْزِلُ عَلينا عَذابًا مُدَمِّرًا مُهْلِكًا يُبِيدُنا بهِ إِذا ما بقينا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِنا ) .

فَقَالَ لَهُم هُودٌ عَلَيهِ السَّلامُ: إِنَّ اللهَ هُو الذِي يَعْلَمُ إِنْ كُنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ العَذَابَ ، وَهُوَ القَادِرُ عَلى إِنزالِهِ بِكُمِ ، وَهُوَ العَالِمُ بالوَقْتِ الذِي يُنزِلُهُ بِكُم إِنْ شَاءَ ، أَمَّا أَنَا فَمَهَمَّتِي هِيَ إِبْلاغُكُمْ ما أَرْسَلَنِي بهِ إِليكُم ، وأَنا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعجِّلَ العَذَابَ الذِي تَطْلُبُونَهُ ، وَلاَ أَقدِرُ عَليهِ ، وإِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّكُم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ مَهَمَّةَ الرَّسُولِ ، ولِذَلِكَ طَلَبتُمْ مِنّي أَنْ أُعَجَّلَ لَكُمُ العَذَابَ ، كَمَا أَنِّي أَعتَقِدُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللهِ وَقُدْرَتَهُ وَشِدَّةَ بَأسِهِ ، لِذَلِكَ طَلبتُمْ تَعْجِيلَ إِنْزالِ العَذَابِ بِكُمْ ، والعَذَابُ لا يَطْلُبُ عَاقِلٌ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ .

وَكَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ حَبَسَ المَطَرَ عَنْ عَادٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ ، حَتَّى اشتَدَّ بِهِم العَطَشُ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِليهِمْ غُيُومًا كَثِيفَةً اتَّجَهَتْ إِلى أودِيَتِهِمْ فَفَرِحَ بها قَوْمُ عَادٍ ، واستَبْشَرُوا ظَنًَّا مِنْهُمْ أَنَّها سَحَائِبُ تَحمِلُ المَطَرَ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هذا سَحَابٌ سَيُمْطِرُنا .وَقَالَ لهُمُ اللهُ تَعَالى ( أَوْ قَالَه لَهُمْ هُودٌ عَليهِ السَّلاَمُ ) .

بَل هُوَ العَذَابُ الذِي استَعْجَلْتُم بإِنْزَالِهِ بِكُم ، حِينَ قُلْتُمْ لِرَسُولِكُم { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } إِنَّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عَذابًا مُهْلِكًا شَدِيدَ الإِيلامِ .وهذهِ الرِّيحُ التي أَرسَلَها اللهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ تُهلكُ وَتُخَرِّبُ كُلَّ شَيءٍ مَرَّتْ بِهِ بإِذن رَبِّها . وَوَصَفَهَا تَعَالى في آيةٍ أخْرى بأنَّها { مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم }

وَسَلَّطَ اللهُ تَعَالى هذهِ الرِّيحَ العَاتيةَ على قَومِ عَادٍ ، فَهَبَّتْ عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيةَ أيَّامٍ كَامِلاَتٍ مُتَتَالِيَاتٍ ، فَأهْلَكَتْهُمْ جَميعًا ، ولم تَترُكْ لَهُمْ في أَرْضِهِمْ مِنْ بَاقِيةٍ ، وَلَم يَعُدْ يُرى في دِيَارِهم إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ خَالِيةً لا سَاكِنَ فِيها .وَيُخْبِرُ تَعَالى أَنَّهُ يُعَاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبَةِ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ ، وَخَالَفَ أَوامِرَهُ .

وَقَدْ مَكنَّا لِقَومِ عَادٍ في الدُّنيا فِيمَا لمْ نُمَكِّنْكُمْ فيهِ ، وَأَعْطَينَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُم مِثْلَهُ ، وَلاَ قَريبًا مِنْهُ ، مِنَ الأَمْوالِ الكَثِيرَة ، وَالأَولادِ ، وَبَسْطَةِ الأَجْسَام ، وَقُوَّةِ الأَبدَانِ ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَسْماعًا وَأَبْصَارًا ، فَلَم يَسْتَعْمِلُوا شَيئًا مِنْ أَسْماعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأَفْئِدَتِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في الاهتداء إِلى وُجودِ الخالِق وَوحْدَانِيتهِ ، وَقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى الخَلْقِ ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللهِ ، وَيُنْكِرُونَ آياتِهِ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ عَلَيهِم ، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِهِ ، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ بِهِمْ ، فَاستَعْجِلُوهُ . فَلْيَحْذَرْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِ عَادٍ ، إِذا استَمَرَوُا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ .

وَلَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ تَعَالى القُرَى مِنْ حَوْلِ مَكَّةَ ( مِثْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَمَدْينَ وَقَوْمِ لُوطٍ ) ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَعْرِفُونَ مَنَازِلَ تِلْكَ الأقوامِ ، وَكَانُوا يَمُرُّونَ بِها وَهُمْ غَادُونَ رَائِحُونَ في أَسْفَارِهِمْ ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَ هذهِ القُرى بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمْ ، وَحَذَّرَهُمْ ، وَضَرَبَ لَهُمُ الأَمثَالَ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ دَلاَئِلَ قُدْرَتِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ ، فَلَم يَرْجِعُوا ، وَلَمْ يَتَّعِظُوا ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ . فَهَلاَّ نَصَرَهُمُ الأَرْبابُ الذِينَ اتَّخَذُوا عِبَادَتَهُمْ قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِها إِلى اللهِ فِيما زَعَمُوا ، حِينَما نَزَلَ بِهِمْ بَأسُ اللهِ وَأَمْرُهُ فَأَنْقَذُوهُمْ ممَّا نَزَلَ بِهِمْ؟ لَكِنَّ هَؤُلاَءِ الأَرْبَابَ أَصْنَامٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَقَدْ غَابُوا عَنْهُم ، وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِليهِمْ . وَعَجْزُ هؤُلاءِ الأَرْبَابِ عَنْ نُصْرَتِهِمْ أَثْبَتَ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ في اتَّخَاذِهِمْ آلهَةً ، وَأَنَّهُم يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ في زَعْمِهِمْ أَنَّهُم يُقَرِّبُونَهُم إِلى اللهِ زُلْفَى ، وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالى .

وأخو عاد هو هود - عليه السلام - يذكره القرآن هنا بصفته . صفة الأخوة لقومه . ليصور صلة الود بينه وبينهم ، وصلة القرابة التي كانت كفيلة بأن تعطفهم إلى دعوته ، وتحسن ظنهم بها وبه . وهي ذات الصلة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يقفون منه موقف الملاحاة والخصومة .

والأحقاف جمع حقف . وهو الكثيب المرتفع من الرمال . وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرقة في جنوب الجزيرة - يقال في حضرموت .والله - سبحانه - يوجه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر أخا عاد وإنذاره لقومه بالأحقاف . يذكره ليتأسى بأخ له من الرسل لقي مثلما يلقى من إعراض قومه وهو أخوهم . ويذكره ليذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم ، على مقربة منهم ومن حولهم .وقد أنذر أخو عاد قومه ، ولم يكن أول نذير لقومه . فقد سبقته الرسل إلى أقوامهم . .

{ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } . .قريبًا منه وبعيدًا عنه في الزمان وفي المكان . فالنذارة متصلة ، وسلسلة الرسالة ممتدة . والأمر ليس بدعًا ولا غريبًا . فهو معهود مألوف .

أنذرهم - ما أنذر به كل رسول قومه -: { ألا تعبدوا إلا الله . إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } . . وعبادة الله وحده عقيدة في الضمير ومنهج في الحياة؛ والمخالفة عنها تنتهي إلى العذاب العظيم في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما على السواء .والإشارة إلى يوم { عذاب يوم عظيم } . . تعني حين تطلق يوم القيامة وهو أشد وأعظم .فماذا كان جواب قومه على التوجيه إلى الله ، والإنذار بعذابه؟

{ قالوا: أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين! } . .سوء الظن وعدم الفهم ، والتحدي للنذير ، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به ، والاستهزاء والتكذيب . وإصرار على الباطل واعتزاز!

فأما هود النبي فيتلقى هذا كله في أدب النبي ، وفي تجرده من كل ادعاء ، وفي الوقوف عند حده لا يتعداه: { قال: إنما العلم عند الله . وأبلغكم ما أرسلت به . ولكني أراكم قومًا تجهلون } . .إنما أنذركم بالعذاب كما كلفت أن أنذركم . وليست أعلم متى يحين موعده ، ولا كيف يكون شكله . فعلم ذلك عند الله . وإنما أنا مبلغ عن الله . لا أدعي علمًا ولا قدرة مع الله . . { ولكني أراكم قومًا تجهلون } وتحمقون . وأية حماقة وأي جهل أشد من استقبال النذير الناصح والأخ القريب بمثل هذا التحدي والتكذيب؟

ويجمل السياق هنا ما كان بين هود وقومه من جدل طويل ، ليمضي إلى النهاية المقصودة أصلًا في هذا المقام؛ ردًا على التحدي والاستعجال . { فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا: هذا عارض ممطرنا . بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم ، تدمر كل شيء بأمر ربها ، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم . كذلك نجزي القوم المجرمين } .وتقول الروايات: إنه أصاب القوم حر شديد ، واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف . ثم ساق الله إليهم سحابة ، ففرحوا بها فرحًا شديدًا ، وخرجوا يستقبلونها في الأودية ، وهم يحسبون فيها الماء: { قالوا هذا عارض ممطرنا } . .وجاءهم الرد بلسان الواقع: { بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها } . . وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى . كما جاء في صفتها: { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير: { تدمر كل شيء بأمر ربها } وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس . فهذا الوجود حي . وكل قوة من قواه واعية . وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه . والإنسان أحد هذه القوى . وحين يؤمن حق الإيمان ، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة ، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله ، وأن يتجاوب معها ، وأن تتجاوب معه ، تجاوب الأحياء المدركة ، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك . ففي كل شيء روح وحياة ، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق . والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار ، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار .وقد أدت الريح ما أمرت به ، فدمرت كل شيء { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم }

.أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى . إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة ، لا ديار فيها ولا نافخ نار . . { كذلك نجزي القوم المجرمين } . سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين .وعلى مشهد الدمار والخراب يلتفت إلى أمثالهم الحاضرين ، يلمس قلوبهم بما ترتعش منه القلوب

{ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه . وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة . فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء . إذ كانوا يجحدون بآيات الله . وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } . .

هؤلاء الذين دمرتهم الريح المأمورة بالتدمير . مكناهم فيما لم نمكنكم فيه . . إجمالًا . . من القوة والمال والعلم والمتاع . وآتيناهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة - والقرآن يعبر عن قوة الإدراك مرة بالقلب ومرة بالفؤاد ومرة باللب ومرة بالعقل . وكلها تعني الإدراك في صورة من صوره - ولكن هذه الحواس والمدارك لم تنفعهم في شيء . إذ أنهم عطلوها وحجبوها { إذ كانوا يجحدون بآيات الله } . . والجحود بآيات الله يطمس الحواس والقلوب ، ويفقدها الحساسية والإشراق والنور والإدراك . { وحاق به ما كانوا به يستهزئون } . . من العذاب والبلاء . .

والعبرة التي يفيدها كل ذي سمع وبصر وقلب ، ألا يغتر ذو قوة بقوته ، ولا ذو مال بماله ، ولا ذو علم بعلمه . فهذه قوة من قوى الكون تسلط على أصحاب القوة والمال والعلم والمتاع ، فتدمر كل شيء ، وتتركهم { لا يرى إلا مساكنهم } حين يأخذهم الله بسنته التي يأخذ بها المجرمين .

والريح قوة دائبة العمل ، وفق النظام الكوني الذي قدره الله ، وهو يسلطها حين يسلطها للتدمير وهي ماضية في طريقها الكوني ، تعمل وفق الناموس المرسوم . فلا حاجة لخرق النواميس الكونية - كما يعترض المعترضون واهمين - فصاحب الناموس المرسوم هو صاحب القدر المعلوم . وكل حادث وكل حركة ، وكل اتجاه ، وكل شخص ، وكل شيء ، محسوب حسابه ، داخل في تصميم الناموس .

والريح كغيرها من القوى الكونية مسخرة بأمر ربها ، ماضية تؤدي ما قدره لها في نطاق الناموس المرسوم لها وللوجود كله . ومثلها قوة البشر المسخرة لما يريده الله بها . المسخر لها من قوى الكون ما أراد الله تسخيره لها . وحين يتحرك البشر فإنما يؤدون دورهم في هذا الوجود ، ليتم ما أراده الله بهم وفق ما يريد . وحرية إرادتهم في الحركة والاختيار جزء من الناموس الكلي ينتهي إلى التناسق الكوني العام . وكل شيء مقدر تقديرًا لا يناله نقص ولا اضطراب .ويختم هذا الشوط بالعبرة الكلية لمصارع من حولهم من القرى من عاد وغير عاد: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون . فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانًا آلهة بل ضلوا عنهم . وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } . .وقد أهلك الله القرى التي كذبت رسلها في الجزيرة .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت