قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (40) سورة العنكبوت
يُخِبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ، وَكَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَنْواعٍ مِنَ العَذَابِ ، فَعَادٌ ، قومُ هُودٍ ( وَكَانُوا يَسْكُنُونَ في الأحْقَافِ ، في مِنْطَقَةِ حَضرَمَوتَ ) ، أًهْلَكَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيةٍ ، سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لِيالٍ مُتَواصِلَةٍ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ .
وثَمُودُ قُومُ صَالحٍ ( وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الحِجْرَ قُربَ وَادي القُرَى ) أَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعًا بالصِّيْحَةِ ، وبزَلزَلَةِ الأَرْضِ بِهِمْ ، لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ التي أَخْرَجَهَا اللهُ لَهُم ، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ .
وَكَانَتِ العَرَبُ تَعرِفُ مَسَاكِنَ قَومِ عَادٍ ، وَقَومِ ثَمُودَ ، وَتَمُرُّ بِها في تَرْحَالِها ، وَتَرى آثَارَ الدَّمَارِ والهَلاَكِ الذي نَزَلَ بِهَا وبأَهلها . وَكَانَ سَبَبُ إِهْلاكِهِمْ هُوَ مَا زَيَّنهُ لَهُم الشَّيْطَانُ مِنْ أعمالٍ سَيِّئةٍ ، وَعِبَادَةٍ غيرِ اللهِ تَعَالى ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلى الإِدِراكِ والاستبْصَارِ ، والتَّميِيز بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ ، وَلِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ في الغَفْلَةِ ، وَعَدَمِ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ .
واذْكُر لِهؤلاءِ المُغْتَرِّينَ بأَمْوالِهِمْ مِنْ قُريشٍ كَيفَ أَهْلَكَ اللهُ قَارُونَ صَاحِبَ الأموالِ الكثيرةِ ، إِذْ خَسَفَ بهِ وبِدَارِهِ وكُنُوزِهِ الأَرْضَ ، كَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ وَوَزِيرَهُ هَامَانَ ، فَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بالحُحَجِ والبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلى صِدْقِ رِسَالتِهِ ، فاسْتَكْبَرُوا في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ ، وأََبَوا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وأَنْ يُؤمِنُوا لَهُ ، وَلَمْ يَكُونُوا فَائِتينَ الله ، وَلاَ نَاجِينَ مِنْ عِقَابِهِ ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَليهِمْ في كُلِّ حِينٍ ، وَهُوَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ.
وَقَدْ أَرسَلَ اللهُ تَعَالى عَلَى كُلِّ فِئَةٍ لونًا مِنْ ألوانِ العَذَابِ يَتَنَاسَبُ مَعَ عُتَوِّهِمْ وَجَرَائِمِِهِمْ:
-فَقَومُ عَادٍ كَانُوا يَقُولُونَ: ( مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً ) ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ ، رِيحًا شَدِيدَةَ البُرُودَةِ ( صَرْصَرًا ) ، بَالِغَةَ العُنفِ والعُتُوِّ ( عَاتِيَةً ) ، تَحْمِلُ الحَصْبَاءَ ، وَترِمِيهِمْ بِها ، فَأَهْلَكَنْهُمْ جَمِيعًا .
-وقَومُ ثَمودَ كَذَّبُوا رَسُولَهُم صَالِحًا ، وَتَهَدَّدُوهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ صَيْحَةً أًَخْمَدَتْ أَنفَاسَهُمْ ، وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَدًا .
-وَقَارُونُ طًغَى وَبَغَى وعَصَى اللهَ ، وَمَشَى في الأَرْضِ ، مَرَحًا فَخَسَفَ اللهُ بهِ وبِدَارِهِ الأَرضَ ، وأَهلَكَهُ وكُنُوزَهُ .
-وَفِرْعَوْنُ وهَامَانُ وقَومُهُما مِنَ القِبطِ أَغرَقَهُمُ اللهُ في صَبيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَكانَتْ هذهِ العَقُوبَةُ جَزَاءً عَلَى مَا اجتَرَحُوهُ مِنَ الإِجْرامِ ، ولمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ فيما فَعَلَ بِهِمْ ، ولَكِنَّهُمْ هُمُ الذينَ كَانُوا يَظْلِمُونَ أَنَفُسَهُمْ بِالكُفْرِ ، والبَطَرِ والعُتُوِّ والطُّغيَانِ ، فَأَوْصَلُوها إِلى العَذَابِ والبَلاَءِ الذي حَلَّ بِها ..
وعاد كانت تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بالقرب من حضرموت ، وثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة بالقرب من وادي القرى . وقد هلكت عاد بريح صرصر عاتية ، وهلكت ثمود بالصيحة المزلزلة . وبقيت مساكنها معروفة للعرب يمرون عليها في رحلتي الشتاء والصيف ، ويشهدون آثار التدمير ، بعد العز والتمكين .
وهذه الإشارة المجملة تكشف عن سر ضلالهم ، وهو سر ضلال الآخرين .
{ وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين } . .فقد كانت لهم عقول ، وكانت أمامهم دلائل الهدى؛ ولكن الشيطان استهواهم وزين لهم أعمالهم . وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة ، وهي غرورهم بأنفسهم ، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال ، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع . { فصدهم عن السبيل } سبيل الهدى الواحد المؤدي إلى الإيمان . وضيع عليهم الفرصة { وكانوا مستبصرين } يملكون التبصر ، وفيهم مدارك ولهم عقول .
وإشارة إلى قارون وفرعون وهامان . { ولقد جاءهم موسى بالبينات ، فاستكبروا في الأرض ، وما كانوا سابقين } . .
وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم بثروته وعلمه ، ولم يستمع نصح الناصحين بالإحسان والاعتدال والتواضع وعدم البغي والفساد . وفرعون كان طاغية غشومًا ، يرتكب أبشع الجرائم وأغلظها ، ويسخر الناس ويجعلهم شيعًا ، ويقتل ذكور بني إسرائيل ويستحيي نساءهم عتوًا وظلمًا . وهامان كان وزيره المدبر لمكائده ، المعين له على ظلمه وبطشه .
{ ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض } . .فلم يعصمهم الثراء والقوة والدهاء . لم تعصمهم من أخذ الله ، ولم تجعلهم ناجين ولا مفلتين من عذاب الله ، بل أدركهم وأخذهم كما سيجيء
{ وما كانوا سابقين } . هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة ، قد أخذهم الله جميعًا . بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلًا: { فكلًا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا . وما كان الله ليظلمهم ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .
فعاد أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم ، وثمود أخذتهم الصيحة . وقارون خسف به وبداره الأرض ، وفرعون وهامان غرقا في اليم وذهبوا جميعًا مأخوذين بظلمهم . { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } . .
و قال تعالى: { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6) [الأنعام/4-7] }
وَمَا تَنْزِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ تَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إلى مَا أَبْدَعَهُ الخَالِقُ مِنْ صُنْعٍ فِي خَلْقِهِ هذا الكَوْنَ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ ، وَعَلى صِدْقِ مَا أَرْسَلَ بِهِ الأَنْبِياءَ ، إلاَّ أَعْرَضَ عَنْهَا هؤُلاءِ الكَفَرَةُ المُكَذِّبُونَ ، اسْتِهزاءً غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ مَعْنَأها ، وَلا مُتَفَكِّرِينَ فِي دَلاَلَتِها .وَبِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي الآيَاتِ ، وَالتَّفْكُرِ فِيهَا ، فَقَدْ كَذَّبُوا بِدِينِ اللهِ الحَقِّ ، لَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَمْ يَتَرَيَّثُوا ، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَهُدًى ، وَسَيَرَوْنَ عَاقِبَةَ التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزاءِ ، حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ العُقُوبَاتُ العَاجِلَةُ ، التِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الآيَاتُ: مَنْ نَصْرِ الرَّسُولِ ، وَإِظْهَارِ دِينِ اللهِ ، وَإِعْزَازِ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ . . .
يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشَ ، المُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَرُسُلِهِ ، إِلَى الأُمَمِ العَدِيدَةِ التِي كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ رُسُلَهَا ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ ، وَكَانَ تَعَالَى قَدْ مَكَّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَكْثَرَ مِمَّا مَكَّنَ لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ، وَأَمَدَّهُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ، وَجَعَلَهُمْ أَ: ْثَرَ قُوَّةً وَعِمَارَةً فِي الأَرْضِ مِنْ هؤُلاءِ ، وَجَعَلَ السَّمَاءَ تُمْطِرُهُمْ بِصُورَةٍ مُتَتَالِيةٍ ، مَطَرًا غَزِيرًا ( مِدْرَارًا ) ، وَفَجَّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ يَنَابِيعَ وَأَنْهَارًا ، اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ وَإِمْلاءً ، ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَجَعَلَهُمْ كَأَمْسِ الدَّابِرِ . وَجَعَلَ ، مِنْ بَعْدِ هؤُلاءِ الهَالِكِينَ ، أَجْيَالًا أُخْرَى ( قَرْنًا آخَرِينَ ) لِيَخْتَبِرَهُمْ ، فَعَمِلُوا مِثْلَ أَعْمَالِ مَنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ ، فَاحذَرُوا أَيُّهَا المُخَاطِبُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُمَا أَصَابَهُمْ ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَعَزَّ عَلَى اللهِ مِنْهُمْ ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالعَذّابِ وَمُعَاجَلَةِ العُقُوبَةِ مِنْهُمْ ، لَوْلا لُطْفُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ .
إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادًا واصرارًا . فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان ، ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية ، ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة ، هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها . . ليس هذا هو الذي ينقصهم ، إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة ، ويمسك بهم العناد والإصرار ، ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر: { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } . .
وحين يكون الأمر كذلك . حين يكون الإعراض متعمدا ومقصودًا - مع توافر الأدلة ، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد: { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم . فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } . .
إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، وخالق الإنسان من طين ، والإله في السماوات وفي الأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون
.إنه الحق وقد كذبوا به ، مصرين على التكذيب ، معرضين عن الآيات ، مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان . . فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون!
ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل ، الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده . . يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول!
وفي موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر ، وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال ، كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب .
{ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ، وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا ، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . فأهلكناهم بذنوبهم ، وأنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين } . .
ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة . وقد مكنهم الله في الأرض ، وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة؛ وأرسل المطر عليهم متتابعًا ينشئ في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق . . ثم ماذا؟ ثم عصوا ربهم ، فأخذهم الله بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم جيلًا آخر ، ورث الأرض من بعدهم؛ ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض! فقد ورثها قوم آخرون! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر! ما أهونهم على الله؛ وما أهونهم على هذه الأرض أيضًا! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء؛ إنما عمرها جيل آخر؛ ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان؛ ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء!
وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن الله لهم في الأرض . ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله ، ليبلوهم فيه: أيقومون عليه بعهد الله وشرطه ، من العبودية له وحده ، والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت ، تدعي حقوق الألوهية وخصائصها؛ ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف .إنها حقيقة ينساها البشر - إلا من عصم الله - وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير سنة الله؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف ، ويقع الفساد رويدًا رويدًا وهم ينزلقون ولا يشعرون . . حتى يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله . . ثم تختلف أشكال النهاية: مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال - بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام - ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوام - ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛ فيعذب بعضهم بعضًا ، ويدمر بعضهم بعضًا ، ويؤذي بعضهم بعضًا ، ولا يعود بعضهم يأمن بعضًا؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛ ويسلط الله عليهم عبادًا له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم ، ويقتلعونهم مما مكنوا فيه؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم .. وهكذا تمضي دورة السنة . . السعيد من وعى أنها السنة ، ومن وعى أنه الابتلاء؛ فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه . والشقي من غفل عن هذه الحقيقة ، وظن أنه أوتيها بعلمه ، أو أوتيها بحيلته ، أو أوتيها جزافًا بلا تدبير!
وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي ، أو المستهتر الفاسد ، أو الملحد الكافر ، ممكنًا له في الأرض ، غير مأخوذ من الله . . ولكن الناس إنما يستعجلون . . إنهم يرون أول الطريق أو وسطه؛ ولا يرون نهاية الطريق . . ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث . . والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق؛ فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق!
إن هذا النص في القرآن: { فأهلكناهم بذنوبهم } . . وما يماثله ، وهو يتكرر كثيرًا في القرآن الكريم . . إنما يقرر حقيقة ، ويقرر سنة ، ويقرر طرفًا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ . .إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها ، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم؛ وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير ، أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب . . كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ: فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال؛ من عوامله ، فعل الذنوب في جسم الأمم؛ وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار؛ إما بقارعة من الله عاجلة - كما كان يحدث في التاريخ القديم - وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي ، الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب!
وأمامنا في التاريخ القريب - نسبيًا - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي ، والدعارة الفاشية ، واتخاذ المرأة فتنة وزينة ، والترف والرخاوة ، والتلهي بالنعيم . . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله ، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة ، كفرنسا وانجلترا كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض .
إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفًا باتًا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة ، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها . . ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلاّ على أساس القاعدة الاعتقادية .والتفسير الإسلامي - بشموله وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة؛ ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلاّ أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود . . يبرز قدر الله من وراء كل شيء؛ ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات؛ ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي . . ولا يغفل عاملًا واحدًا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة . .
وعَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ - رضى الله عنهن أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ » . وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا . قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ « نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ » صحيح البخاري [1] .
وعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ عَدِيًّا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلاَ يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ » مسند أحمد [2] .
وعَنِ الْمُنْذِرِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالْمَعَاصِيِ هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ ، وَأَمْنَعُ لَمْ يُغَيِّرُوا إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ". معجم الطبراني الكبير [3]
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِيِ هُمْ أَمْنَعُ مِنْهُ ، وَأَعَزُّ لا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِ إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ" [4] .
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَهُمْ بِالْمَعَاصِيِ ، هُمْ أَعَزُّ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ لَمْ يُغَيِّرُوا إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ". [5]
وعَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:"مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِيِ ، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ وَلا يُغَيِّرُونَ ، إِلا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [6]
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِيِ ، يَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ وَلا يُغَيِّرُونَ ، إِلا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا". [7]
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:"مَا مِنْ رَجُلٍ يُجَاوِرُ قَوْمًا فَيَعْمَلُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ بِالْمَعَاصِيِ وَلا يَأْخُذُونَ عَلَى يَدَيْهِ ، إِلا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابِهِ". [8]
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِيِ هُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ ، فَيَدْهُنُونَ وَيَسْكُتُونَ ، فَلا يُغَيِّرُونَ إِلا أَصَابَتْهُمْ فِيهِ عُقُوبَةٌ" [9]
وعَنِ الْمَعْرُورِ بن سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا فِي النَّاسِ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ صَالِحُونَ، قَالَ:بَلَى، قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ أُولَئِكَ؟، قَالَ:يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ. [10]
وعَنْ ميْمُونة، زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ:لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مُتَمَاسِكٌ أَمْرُهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِذَا ظَهَرُوا خَشِيتُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ. [11]
ــــــــــــــــــــ
(1) -برقم (3346)
(2) - برقم (18192 ) صحيح لغيره
(3) -برقم ( 2327) صحيح لغيره
(4) - نفسه برقم (2328) صحيح لغيره
(5) -نفسه برقم (2329) صحيح لغيره
(6) -نفسه برقم (2330) صحيح لغيره
(7) - نفسه برقم (2331) صحيح لغيره
(8) - نفسه برقم (2332) صحيح لغيره
(9) - نفسه برقم (2333) صحيح لغيره
(10) -نفسه برقم (19208) حسن لغيره
(11) -نفسه برقم (19553 ) حسن