فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 139

قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) [آل عمران/152، 153] }

لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ إلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ أحُدٍ قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ: مِنْ أَيْنََ أَصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ تَعَالَى النَّصْرَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيها يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّهُ صَدَقَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ نَصْر ، فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِإذْنِ اللهِ ، وَسَلَّطَكُمْ عَلَيهِمْ ، حَتَّى إذَا أَصَابَكُمُ الضَّعْفُ وَالفَشَلُ ، وَعَصَيْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ، ( وَهُوَ مَا وَقَع لِلرُّمَاةِ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَلْزَمُوا مَوَاقِعَهُمْ فَتَخَلَّوا عَنْهَا ) ، وَكَانَ اللهُ قَدْ أَرَاكُمُ الظَّفَرَ ، وَهُوَ مَا تُحِبُّونَهُ ، فَكَانَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا ، وَيَطْمَعُ فِي المَغْنَمِ ، حِينَ رَأَوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ ، وَمِنْكُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الآخِرَةَ فِي قِتَالِهِ المُشْرِكِينَ لاَ يَلْتَفِتُ إلَى المَغْنَمِ ، فَثَبَتَ مَكَانَهُ وَقَاتَلَ ، ثُمَّ أدَالَ اللهُ المُشْرِكِينَ عَلَيكُمْ ، وَجَعَلَ لَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ ، وَيَمْتَحِنَ ثَبَاتَكُمْ عَلَى الإِيمَانِ ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ الفِعْلَ ، وَهُوَ عِصْيَانُ أَمْرِ الرَّسُولِ ، وَالهَرَبُ مِنَ المَعْرَكَةِ ، وَمَحَا أَثَرَهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ ، حِينَمَا أَظْهَرْتُمُ النَّدَمَ ، وَرَجَعْتُمْ إلَى اللهِ ، حَتَّى صِرْتُمْ وَكَأَنَّكُمْ لَمْ تَفُشَلُوا . وَلَمْ يَسْمَحِ اللهُ باسْتِئْصَالِكُمْ لأَنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ .

فَقَدْ صَرَفَكُمُ اللهُ عَنِ المُشْرِكِينَ فَأخَذْتُمْ فِي الهَرَبِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ فِي الجِبَالِ ، لاَ تَلْتَفِتُونَ إلَى أَحَدٍ مِنَ الدَهَشِ وَالخَوْفِ ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُ الرَّسُولَ وَرَاءَكُمْ وَهُوَ يَدْعُوكُمْ إلَى العَوْدَةِ إلى القِتَالِ ، وَيَقُولُ: هَلُمَّ عِبَادَ اللهِ أنَا رَسُولُ اللهِ ، مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ ، فَجَزَاكُمُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم - لِفِرَارِكُمْ ، بِغَمٍّ يَمْلأُ نُفُوسَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ ، وَعَلَى تَرْكِكُمْ رَسُولَ اللهِ يُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُ ، وَهُوَ ثَابِتٌ دُونَكُمْ ، وَذَلِكَ لِكَيْلاَ تَهْتَمُّوا وَتَحْفَلُوا بِشَيءٍ فَاتَكُمْ ، وَلا بِأَذًى أَصَابَكُمْ ، وَلِتَمْرُنُوا عَلَى تَجَرُّعِ الغُمُومِ ، وَاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ ، إذْ كَانَ مَا أَصَابَ النَّبِيِّ ، وَمَا لَحِقَ بِنُفُوسِكُمْ مِنَ النَّدَمَ ، وَهُوَ أَكْبَرُ عِنْدَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ: أَكْبَرُ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَتْلِ وَضَيَاعِ المَغْنَمِ . وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِكُمْ وَمَقَاصِدِكُمْ ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا .

إن التعبير القرآني هنا ليرسم مشهدًا كاملًا لمسرح المعركة ولتداول النصر والهزيمة . مشهدًا لا يترك حركة في الميدان ولا خاطرة في النفوس ولا سمة في الوجوه ولا خالجة في الضمائر إلا ويثبتها . . وكأن العبارات شريط مصور يمر بالبصر ويحمل في كل حركة صورًا جديدة نابضة . وبخاصة حين يصور حركة الإصعاد في الجبل والهروب في دهش وذعر ودعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للفارين المرتدين عن المعركة المصعدين للهرب . يصحب ذلك كله حركة النفوس وما يدور فيها من خوالج وخواطر وانفعالات ومطامع . . ومع هذا الحشد من الصور الحية المتحركة النابضة تلك التوجيهات والتقريرات التي يتميز بها أسلوب القرآن ومنهج القرآن التربوي العجيب: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } . .

وكان ذلك في مطالع المعركة حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين أي يخمدون حسهم أو يستأصلون شأفتهم . قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال لهم: « لكم النصر ما صبرتم » فصدقهم الله وعده على لسان نبيه . { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } . .

وهو تقرير لحال الرماة . وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة ; ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهى الأمر إلى العصيان . بعد ما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه . فكانوا فريقين: فريقًا يريد غنيمة الدنيا وفريقًا يريد ثواب الآخرة . وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة ولم يعد الهدف واحدًا . وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة . فمعركة العقيدة ليست ككل معركة .

إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير . ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير . إنها معركة لله فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له .

وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها ; كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية . ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها الله - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد فلا يمنحهم الله النصر أبدًا حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا . . وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة وهذا ما أراد الله - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح!

{ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } . .والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم . . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا ، حتى نزل فينا يوم أحد: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } . . وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ; ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها!

وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة الله وتدبيره ، وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها ; ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } . .

لقد كان هناك قدر الله وراء أفعال البشر . فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين وصرف الرماة عن ثغرة الجبل وصرف المقاتلين عن الميدان فلاذوا بالفرار . . وقع كل هذا مرتبًا على ما صدر منهم ; ولكن مدبرًا من الله ليبتليهم . . ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح ; وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب ومن تمحيص النفوس وتمييز الصفوف - كما سيجيء . وهكذا تقع الأحداث مرتبة على أسبابها وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها . بلا تعارض بين هذا وذاك . فلكل حادث سبب ووراء كل سبب تدبير . . من اللطيف الخبير . . { ولقد عفا عنكم } . .عفا عما وقع منكم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان ; وعفا كذلك عما وقع منكم من فرار وانقلاب وارتداد . . عفا عنكم فضلًا منه ومنة وتجاوزًا عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة . . عفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون في دائرة الإيمان بالله والاستسلام له وتسليم قيادكم لمشيئته: { والله ذو فضل على المؤمنين } . .ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم ما داموا سائرين على منهجه مقرين بعبوديتهم له ; لا يدعون من خصائص الألوهية شيئًا لأنفسهم ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم ولا موازينهم إلا منه .

.فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة . . فيتلقاهم عفو الله بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص . .ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم } . .كي يعمق وقع المشهد في حسهم ; ويثير الخجل والحياء من الفعل ومقدماته التي نشأ عنها من الضعف والتنازع والعصيان . . والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في ألفاظ قلائل . . فهم مصعدون في الجبل هربًا في اضطراب ورعب ودهش لا يلتفت أحد منهم إلى أحد! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد! والرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ، ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح: إن محمدًا قد قتل فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم . . إنه مشهد كامل في ألفاظ قلائل

وكانت النهاية أن يجزيهم الله على الغم الذي تركوه في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفرارهم غمًا يملأ نفوسهم على ما كان منهم ، وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئًا فاتهم ولا أذى أصابهم . فهذه التجربة التي مرت بهم وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم وذلك الغم الذي أصابهم . . كل ذلك سيصغر في نفوسهم كلّ ما يفوتهم من عرض وكل ما يصيبهم من مشقة: { فأثابكم غمًا بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } . .والله المطلع على الخفايا يعلم حقيقة أعمالكم ودوافع حركاتكم: { والله خبير بما تعملون } . .

البابُ الخامس

المستقبلُ لهذا الدين

حين يتقرر أن الإسلام هو - وحده - القادر على إنقاذ البشرية مما يحدق بها من أخطار ماحقة، تدلف إليها مقودة بسلاسل الحضارة المادية البراقة. وهو - وحده - القادر على منحها المنهج الملائم لفطرتها ولاحتياجاتها الحقيقية. وهو - وحده - الذي ينسق بين خطاها في الإبداع المادي وخطاها في الاستشراف الروحي. وهو - وحده - الذي يملك أن يقيم لها نظامًا واقعيًا للحياة يتم فيه هذا التناسق الذي لم تعرفه البشرية قط إلا في النظام الإسلامي - وحده - على مدى التاريخ

حين يتقرر هذا كله تتضح معه شناعة الجريمة التي يرتكبها - في حق البشرية كلها - أولئك الذين يوجهون الضربات الوحشية لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان - وفي أولهم مستر دالاس الذي يصرح ويستصرخ في طلب مثل هذا المنهج - والذين يجندون قواهم كلها، لطمس معالم المنهج الإسلامي، ومواراته عن أعين البشرية المتطلعة إلى منقذ، المتلفتة على (مخلص) ، وتنفيرها منه بشتى الخدع والتمويهات والأكاذيب!

إنها جريمة بشعة - في حق البشرية كلها - البشرية المسكينة المنكوبة بهذه الحضارة المناقضة لفطرتها ولاحتياجاتها الحقيقة - كما يقرر العالم الغربي الكبير- المهددة بغلبة الفلسفة المادية عليها - كما ينذر مستر دالاس - البشرية التي تدلف إلى الهاوية، مقودة بسلاسل هذه الحضارة المادية البراقة، وهي في كل لحظة تقترب من الهوة الرعيبة، ولا منقذ لها إلا هذا الدين، الذي يحاربه أعداء البشرية، في كل مكان على وجه الأرض، بشتى الخطط والمؤامرات والأساليب!

إلا أن هذه الحرب المشبوبة على الإسلام لا تفقدنا الثقة المطلقة في أن (المستقبل لهذا الدين) .

لقد صمد الإسلام في حياته المديدة، لما هو أعنف وأقسى من هذه الضربات الوحشية، التي توجه اليوم إلى طلائع البعث الإسلامي في كل مكان. وكافح - وهو مجرد من كل قوة غير قوته الذاتية- وانتصر، وبقى، وأبقى على شخصية الجماعات والأوطان، التي كان يحميها، وهو مجرد من السلاح!

إن الإسلام هو الذي حمى الوطن الإٍسلامي في الشرق من هجمات التتار؛ كما حماه من هجمات الصليبيين على السواء 00 ولو انتصر الصليبيون في الشرق كما انتصروا في الأندلس قديمًا، أو كما انتصر الصهيونيون في فلسطين حديثًا، ما بقيت قومية عربية، ولا جنس عربي ولا وطن عربي 00 والأندلس قديمًا وفلسطين حديثًا كلاهما شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فإنه لا تبقى فيها لغة ولا قومية، بعد اقتلاع الجذر الأصيل!

والمماليك الذين حموا هذه البقعة من التتار، لم يكونوا من جنس العرب إنما كانوا من جنس التتار! ولكنهم صمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين، حمية للإسلام، لأنهم كانوا مسلمين! صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية، وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم (ابن تيمية) الذي قاد التعبئة الروحية، وقاتل في مقدمة الصفوف!

ولقد حمى صلاح الدين هذه البقعة من اندثار العروبة منها والعرب واللغة العربية 00 وهو كردي لا عربي 00 ولكنه حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين. وكان الإسلام في ضميره هو الذين كافح الصليبيين. كما كان الإسلام في ضمير الظاهر بيبرس، والمظفر قطز، والملك الناصر 00 هو الذي كافح التتار المتبربرين!

والإسلام هو الذي كافح في الجزائر مئة وخمسين عامًا. وهو الذي استبقى أرومة العروبة فيها. حتى بعد أن تحطمت مقوماتها الممثلة في اللغة والثقافة، حينما اعتبرت فرنسا اللغة العربية -في الجزائر- لغة أجنبية محظورًا تعليمها! هنالك قام الإسلام - وحده - في الضمير، يكافح الغزاة، ويستعلي عليهم، ولا يحنى رأسه لهم لأنهم أعداؤه (الصليبيون) ! وبهذا - وحده - بقيت روح المقاومة في الجزائر، حتى أزكتها من جديد الحركة الإسلامية التي قام بها عبد الحميد بن باديس، فأضاءت شعلتها من جديد 00 وهذه الحقيقة التي حاول أن يطمسها المغفلون والمضلِّلون، يعرفها الفرنسيون والصليبيون جيدًا لأنهم (صليبيون) !

إنهم على يقين أن (الإسلام) ، باستعلاء روحه على أعدائه، هو الذي يقف في طريقهم في الجزائر. ومن ثم يعلنونها حربًا على (المسلمين) 00 لا على (العرب) ولا على (الجزائريين) !

والإسلام هو الذي هب في السودان في ثورة المهدي الكبير على الاحتلال البريطاني للقسم الشمالي من الوادي (مصر) ثم القسم الجنوبي (السودان) ومراجعة إعلانات (المهدي) الكبير ، ورسائل (عثمان دقنة) لكتشنر وكرومر وتوفيق، تشهد بحيوية هذا الباعث الأصيل.

والإسلام هو الذي كافح في برقة وطرابلس ضد الغزو الطلياني 00 وفي أربطة السنوسية وزواياها نمت بذرة المقاومة. ومنها انبثق جهاد عمر المختار الباسل النبيل..

وأول انتفاضة في مراكش، كانت منبثقة من الروح الإسلامي. وكان (الظهير البربري) الذي سنه الفرنسيون سنة 1931 وأرادوا به رد قبائل البربر هناك إلى الوثنية، وفصلهم عن الشريعة الإسلامية 00 هو الشرارة التي ألهبت كفاح مراكش ضد الفرنسيين.

لقد كافح الإٍسلام - وهو أعزل - لأن عنصر القوة كامن في طبيعته. كامن في بساطته ووضوحه وشموله، وملاءمته للفطرة البشرية، وتلبيته لحاجاتها الحقيقية 00 كامن في الاستعلاء عن العبودية للعباد بالعبودية لله رب العباد؛ وفي رفض التلقي إلا منه، ورفض الخضوع إلا له من دون العالمين .. كامن كذلك في الاستعلاء بأهله على الملابسات العارضة كالوقوع تحت سلطان المتسلطين. فهذا السلطان يظل خارج نطاق الضمير مهما اشتدت وطأته .. ومن ثم لا تقع الهزيمة الروحية طالما عمر الإسلام القلب والضمير، وإن وقعت الهزيمة الظاهرية في بعض الأحايين.

ومن أجل هذه الخصائص في الإسلام يحاربه أعداؤه هذه الحرب المنكرة، لأنه يقف لهم في الطريق، يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية، كما يعوقهم عن الطغيان والتأله في الأرض كما يريدون!

ومن أجل هذه الخصائص يطلقون عليه حملات القمع والإبادة، كما يطلقون عليه حملات التشويه والخداع والتضليل!

ومن أجل هذا يريدون أن يستبدلوا به قيمًا أخرى، وتصورات أخرى، لا تمت بسبب إلى هذا المناضل العنيد؛ لتستريح الصهيونية العالمية، والصليبية العالمية، والاستعمار العالمي من هذا المناضل العنيد!

إن خصائص الإسلام الذاتية هي التي تحنق عليه أعداءه الطامعين في أسلاب الوطن الإسلامي 00 هذه هي حقيقة المعركة؛ وهذا هو دافعها الأصيل..ولكن الذي لا شك فيه - على الرغم من ذلك كله - هو أن (المستقبل لهذا الدين) .. ( فمن طبيعة المنهج الذي يرسمه هذا الدين؛ ومن حاجة البشرية إلى هذا المنهج نستمد نحن يقيننا الذي لا يتزعزع، في أن المستقبل لهذا الدين. وأن له دورًا في هذه الأرض هو مدعو لأدائه - أراد أعداؤه أم لم يريدوا - وأن دوره هذا المرتقب لا تملك عقيدة أخرى - كما لا يملك منهج آخر- أن يؤديه. وأن البشرية بجملتها لا تملك كذلك أن تستغني طويلًا عنه ) 00 كما قلنا في صدر هذا الكتاب00ولا حاجة بنا إلى المضي في توكيد هذه الحقيقة على هذا النحو. فنكتفي في هذا الموضع بعرض عبرة عن الواقع التاريخي للإسلام، لعلها أنسب العبر في هذا المقام:

بينما كان (سراقة بن مالك) يطارد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه - وهما مهاجران خفية عن أعين قريش 00 وبينما كان سراقة يعثر به فرسه كلما هم أن يتابع الرسول وصاحبه، طمعًا في جائزة قريش المغرية التي رصدتها لمن يأتيها بمحمد وصاحبه أو يخبر عنهما 00 وبينما هو يهم بالرجوع -وقد عاهد النبي- صلى الله لعيه وسلم- أن يكفيهما من وراءه 00

في هذه اللحظة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( يا سراقة. كيف بك وسوارى كسرى؟ ) 00 يعده سوارى كسرى شاهنشاه الفرس! (ملك الملوك!) .

والله وحده يعلم ما هي الخواطر التي دارت في رأس سراقة؛ حول هذا العرض العجيب؛ من ذلك المطارد الوحيد 00 إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئًا عنه، والمهاجر - سرّا ً- معه!

ولكن كالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان عارفًا بالحق الذي معه، معرفته بالباطل الذي عليه الجاهلية في الأرض كلها يومذاك 00 وكان واثقًا من أن هذا الحق لابد أن ينتصر على هذا الباطل. وأنه لا يمكن أن يوجد (الحق) في صورته هذه، وأن يوجد (الباطل) في صورته هذه، ثم لا يكون ما يكون!

كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها، بحيث لا يصلها ري ولا سماد 00 كانت قد خبثت بحيث يتحتم أن تجتث 00 وكانت البذرة الطيبة في يده هي المعبأة للغرس والنماء 00 وكان واثقًا من هذا كله ثقة اليقين 00

نحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته، وكل سماته. مع الجاهلية كلها من حولنا 00 فلا يجوز - من ثم - أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة. العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا. على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا!

إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست بأقل من حاجتها يومذاك 00 وإن وزن هذا المنهج اليوم - بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج - لا يقل عنه يومذاك 00ومن ثم ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع. ولا يجوز أن يتطرق إلى قلوبنا الشك، بسبب ما نراه من حولنا، من الضربات الوحشية التي تكال لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان، ولا بسبب ما نراه كذلك من ضخامة الأسس التي تقوم عليها الحضارة المادية00 إن الذي يفصل في الأمر ليس هو ضخامة الباطل، وليس هو قوة الضربات التي تكال للإسلام. إنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ومدى الصمود للضربات!

إننا لسنا وحدنا 00 إن رصيد الفطرة معنا 00 فطرة الكون وفطرة الإنسان 00 وهو رصيد هائل ضخم 00 أضخم من كل ما يطرأ على الفطرة من أثقال الحضارة 00 ومتى تعارضت الفطرة مع الحضارة، فلا بد أن يكتب النصر للفطرة 00 قصر الصراع أم طال ( ) .أمر واحد يجب أن يكون في حسابنا 00 إن أمامنا كفاحًا مريرًا شاقًا طويلًا. لاستنقاذ الفطرة من الركام. ثم لتغليب الفطرة على هذا الركام.

كفاحًا مريرًا يجب أن نستعد له استعدادًا طويلًا 00يجب أن نستعد بأن نرتفع إلى مستوى هذا الدين 00

نرتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا بالله. وفي حقيقة معرفتنا بالله فإننا لن نؤمن به حق الإيمان حتى نعرفه حق المعرفة 00

ونرتفع إلى مستواه في عبادتنا لله. فإننا لن نعرف الله حق المعرفة إلا إذا عبدناه حق العبادة.

ونرتفع إلى مستواه في وعينا بما حولنا، ومعرفتنا لأساليب عصرنا 00 ورحم الله رجلًا عرف زمانه واستقامت طريقته.

ونرتفع إلى مستواه في إحاطتنا لثقافة عصرنا وحضارته؛ وممارسة هذه الثقافة وهذه الحضارة ممارسة اختبار واختيار 00 فإننا لا نملك الحكم على ما ينبغي أن نأخذ منها وما ينبغي أن ندع، إلا إذا سيطرنا عليها بالمعرفة والخبرة. فمن المعرفة والخبرة نستمد سلطان الاختيار 00 ونرتفع إلى مستواه في إدراكنا لطبيعة الحياة البشرية وحاجاتها الحقيقية المتجددة، فنرفض ما نرفض من هذه الحضارة، ونستبقي ما نستبقي عن خبرة بالحياة ذاتها تعادل خبرتنا بهذه الحضارة كذلك!

وهذا كفاح مرير 00 وكفاح طويل 00 ولكنه كفاح بصير وفاح أصيل..

والله معنا 00"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"00وصدق الله العظيم.

المراجع الهامة

? تفسير ابن كثير الشاملة 2

? تفسير الرازي الشاملة 2

? أضواء البيان الشاملة 2

? في ظلال القرآن الشاملة 2

? الوسيط لسيد طنطاوي الشاملة 2

? أيسر التفاسير أسعد حومد الشاملة 2

? تفسير السعدي الشاملة 2

? التفسير الميسر الشاملة 2

? موطأ مالك المكنز

? صحيح البخارى المكنز

? صحيح مسلم المكنز

? سنن أبى داود المكنز

? سنن الترمذى المكنز

? سنن النسائى المكنز

? سنن ابن ماجه المكنز

? مسند أحمد المكنز

? المستدرك للحاكم الشاملة + أي طبعة مرقمة

? الكبير للطبراني الشاملة

? المعجم الأوسط للطبراني الشاملة

? المعجم الصغير للطبراني الشاملة

? دلائل النبوة للبيهقي الشاملة

? السنن الكبرى للبيهقي الشاملة + المكنز

? شعب الإيمان للبيهقي الشاملة

? سنن الدارمى المكنز

? مسند البزار 1-14 الشاملة

? سنن الدارقطنى المكنظ

? صحيح ابن حبان الشاملة + الرسالة

? صحيح ابن خزيمة الشاملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت