فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 139

9.الترف :

قال تعالى في سورة المؤمنون: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ 64} لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ {65} قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ {66} مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ {67}

حَتَّى إِذَا جَاءَ المُتْرَفِينَ مِنْهُمْ ، المُنَعَّمِينَ فِي الدُّنْيَا ، عَذَابُ اللهِ وَبَأَسُهُ وَنِقْمَتَهُ ، إِذَا هُمْ يَسْتَغِيثُونَ ، وَيَصْرُخُونَ وَاغوثَاهُ ( يَجْأَرُونَ ) ، لِشدَةِ مَا يُعَانُونَ مِنَ الكُرَبِ والآلامِ .

وَيُجِيبُهُم الرَّبُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَائِلًا: لاَ تَسْتَغِيثُوا فَلَنْ يُجِيرَكُم اليَوْمَ أَحَدٌ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ مِنْ سُوءِ العَذَابِ ، سَوَاءٌ اسْتَغَثْتُم وَصَرَخْتُمْ ، أو سَكَتُّم ، وَلَنْ يَنْصُرَكُم أَحَدٌ مِنْ اللهِ ، فَقَدْ قُضِيَ الأَمْرُ ، وَوَجَبَ العَذَابُ .

لَقَدْ كَانَتْ آيَاتُ اللهِ تُتْلَى عَلَيْكُم بالحَقِّ ، فَكُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنْ سَمَاعِها ، وَتَسْخَرُونَ مِنْهَا ، وَتُعْر ِضُونَ عَنْهَا ، وَتُدِيرُونَ ظُهُورَكُمْ إِلَيْهَا وَلِذَلِكَ فًَلاَ عُذْرَ لَكُم اليَوْمَ .

وَقَدْ كُنْتُم تُعْرِضُونَ عَن الإِيْمَانِ وَأَنْتًمْ تَسْتَكْبِرُونَ بالبَيْتِ الحَرَامِ ، وَتَقُولُونَ: نَحْنَ أَهْلُ حَرَمِ اللهِ ، وَخُدَّامُ بَيْتِهِ ، فَلاَ يُظْهِرُ عَلَيْنَا أَحَدًا ، وَلاَ نَخَافُ أَحَدًا ، وَكُنْتُم تَسْمرُونَ حَوْلَ البَيْتِ ، وَتَتَنَاوَلُونَ القُرْآنَ بالُجِرِ مِنَ القَوْلِ ( سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) ..

أى: حتى إذا عاقبنا هؤلاء المترفين الذين أبطرتهم النعمة . بالعذاب الذى يردعهم ويخزيهم ويذلهم ، إذا هم يجأرون إلينا بالصراخ وبالاستغاثة .

وعبر عن عقابهم ، بالأخذ ، للإشعار بسرعة هذا العقاب وشدته ، كما في قوله - تعالى - { . . . أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } وخص المترفين بالذكر ، للإشارة إلى أن ما كانوا فيه من التنعم والتمتع والتطاول في الدنيا ، لن ينفعهم شيئًا عند نزول هذا العذاب بهم .

وقوله - سبحانه - { لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } تأنيب وزجر لهم على جؤارهم وصراخهم . والمراد باليوم . الوقت الذى فيه نزل العذاب بهم .

أى: عندما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجىء ، وضجوا بالاستغاثة والجؤار ، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر: لا تجأروا ولا تصرخوا في هذا الوقت الذى أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب . فإنكم لن تجدوا من ينجيكم من عذابنا ، أو من يدفع عنكم هذا العذاب . . .

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين ، فقال - تعالى -: { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُون . . } .

والأعقاب: جمع عقب ، وهو مؤخر القدم { تَنكِصُون } من النكوص ، وهو الرجوع إلى الخلف . يقال: فلان نكص على عقبيه ، إذا رجع إلى الوراء ، وهو هنا كناية عن الإعراض عن الآيات .

أى: لا تجأروا ولا تصرخوا ، فإن ذلك لن يفيدكم شيئًا ، بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا ، فقد كانت آياتى الدالة على وحدانيتى تتلى على مسامعكم من نبينا - صلى الله عليه وسلم - ومن المؤمنين به ، فكنتم تعرضون عن سماعها أشد الإعراض ، وكنتم تستهزئون بها ، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم .

وقوله - تعالى - { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } مقرر لمضمون ما قبله ، من إعراضهم عن آيات الله . ونكوصهم على أعقابهم عند سماعها .

والضمير فى { بِهِ } يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت الحرام ، والباء للسببية .

وقوله:"سامرا"اسم جمع كحاج وحاضر وراكب ، مأخوذ من السمر وأصله ظل القمر وسمى بذلك لسمرته ، ثم أطلق على الحديث بالليل . يقال: سمر فلان يسمر - ككرم يكرم - إذا تحدث ليلًا مع غيره بقصد المسامرة والتسلية .

وقوله: { تَهْجُرُونَ } قرأه الجمهور - بفتح التاء وضم الجيم - مأخوذ من الهجر - بإسكان الجيم - بمعنى الصد والقطيعة ، أو من الهجر - بفتح الجيم - بمعنى الهذيان والنطق بالكلام الساقط ، بسبب المرض أو الجنون .

وقرأ نافع { تُهْجِرُونَ } بضم التاء وكسر الجيم - مأخوذ من هجر هجارًا إذا نطق بالكلام القبيح.

والمعنى: قد كانت آياتى تتلى عليكم - أيها المستغيثون من العذاب - فكنتم تعرضون عنها ، ولم تكتفوا بهذا الإعراض ، بل كنتم متكبرين على المسلمين بالبيت الحرام ، وكنتم تتسامرون بالليل حوله ، فتستهزئون بالقرآن ، وبالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبتعاليم الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول الباطل ، الذى يدل على مرض قلوبكم ، وفساد عقولكم ، وسوء أدبكم .

وقوله: { مُسْتَكْبِرِينَ } و { سَامِرًا } و { تَهْجُرُونَ } أحوال ثلاثة مترادفة على واو الفاعل فى { تَنكِصُونَ } أو متداخلة ، بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها .

قال القرطبى: { مُسْتَكْبِرِينَ } حال ، والضمير فى { بِهِ } قال الجمهور: هو عائد على الحرم ، أو المسجد ، أو البلد الذى هو مكة . وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر .

أى: يقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف . وقيل: المعنى أنهم يعتقدون في نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك .

وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن ، من حيث ذكرت الآيات .

والمعنى: يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغيانًا فلا تؤمنوا بى . . ."."

والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها تصور حسرة المشركين وجؤارهم يوم ينزل بهم العذاب تصويرًا بديعًا ، كما تين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب ، مما جعلهم أهلًا لهذا المصير الأليم .

وقال تعالى: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا 16} الإسراء

فِي قِرَاءَةٍ ( أَمَرْنَا ) وَجْهَانِ:

( أَمَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ - وَهُوَ المَشْهُورُ فِي قِرَاءَتِهَا: فَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّهُ إِذَا دَنَا تَعَلُّقِ إِرَادَتِنَا بِإِهْلاَكِ قَرْيَةٍ بِعَذَابِ الاسْتِئْصَالِ لِمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ المَعَاصِي ، وَلَمَّا دَنَّسَتْ بِهِ نَفْسَهَا مِنَ الآثَامِ ، لَمْ يُعَاجِلْهَا اللهُ تَعَالَى بِالعُقُوبَةِ ، بَلْ يَأْمُرُ مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَإِذَا فَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، وَتَمَرَّدُوا ، حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذَابُ لارْتِكَابِهِمُ الكَبَائِرَ وَالفَوَاحِشَ ، فَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِتَدْمِيرِ تِلْكَ القَرْيَةِ .( وَخَصَّ اللهُ تَعَالَى المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ لِمَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ مِنْ أَنَّ العَامَّةَ تُقَلِّدُهُمْ وَتَكُونُ تَبَعًا لَهُمْ ، فِيمَا يَفْعَلُونَ ) .

-وَمِنْ قَائِلٍ بَلْ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّ اللَه يُسَخِّرُهُمْ لِفِعْلِ الفَوَاحِشِ فَيَسْتَحِقُّونَ العُقُوبَةَ .

-وَأَمَّرْنا - بِتَشْدِيدِ المِيمِ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ مَعْنَاهَا سَلَّطْنَا شِرارَهَا فَعَصَوْا فِيهَا ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ . وَهذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى { وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا } .

-وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: إِنَّ مَعْنَى ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) ، أَكْثَرْنَا عَدَدَهُمْ فَيُؤَدّي ذلِكَ إِلى انْتِشَارِ الفِسْقِ وَالفَسَادِ وَالكُفْرِ ، فَيُهْلِكُكُم اللهُ بِالعَذَابِ ..

والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة ، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم وتأسن ، وترتع في الفسق والمجانة ، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات ، وتلغ في الأعراض والحرمات ، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادًا ، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها ، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها . ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي ، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها ، فتهلك وتطوى صفحتها .

والآية تقرر سنة الله هذه . فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك ، فكثر فيها المترفون ، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم ، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها ، فعم فيها الفسق ، فتحللت وترهلت ، فحقت عليها سنة الله ، وأصابها الدمار والهلاك . وهي المسؤولة عما يحل بها لأنها لم تضرب على أيدي المترفين ، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود المترفين . فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا ، ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقت الهلاك ، وما سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك .

إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف ، وسننًا لا تتبدل ، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته . والله لا يأمر بالفسق ، لأن الله لا يأمر بالفحشاء . لكن وجود المترفين في ذاته ، دليل على أن الأمة قد تخلخل بناؤها ، وسارت في طريق الانحلال ، وأن قدر الله سيصيبها جزاء وفاقًا .وهي التي تعرضت لسنة الله بسماحها للمترفين بالوجود والحياة .فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجية القهري الذي ينشئ السبب ، ولكنها ترتب النتيجة على السبب . الأمر الذي لا مفر منه لأن السنة جرت به . والأمر ليس أمرًا توجيهيًا إلى الفسق ، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين وهي الفسق .وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها . وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميرًا .

وقال تعالى: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15 [الأنبياء/11-15] }

لَقَدْ أهْلَكْنَا قُرىً وأُمَمًا كَثِيرَةً كَانَتْ ظَالِمةً بِكُفْرِها وَفَسَادِها ، وَتَكْذِيبِهَا الرُّسُلَ ، وأَنْشَأنَا بَعْدَهُم أَقْوَامًا آخَرِينَ ، خَلَفُوهُم فِي الأرْضِ .وَيَتَهَكَّمُ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم لِفِرارِهِمْ هَرَبًا مِنَ العَذَابِ ، ويَأْمُرُ بِأَنْ يُنَادَى عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ ، والعَيْشِ الرَّغِيدِ ، والمَسَاكِنِ الطَّيِّبَةِ ، لِتُسْأَلُوا عَمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ ، وَهَلْ أدَّيْتُمُ الشُّكْرَ عَلَيْهِ للهِ تَعَالَى .وَمَا زَالُوا يُرَدِّدُونَ تِلْكَ المَقَالَةَ ، وَهِيَ الاعْتِرَافُ بالظُّلْمِ والكُفْرِ ، حَتَّى حَصَدَهُمُ اللهُ حَصْدًا ، وأَهْلَكَهُم وأَخْمَدَا أنْفَاسَهُم ، فَلَمْ يَعُدْ يُسْمَعُ لَهُم حِسٌ ..

والقصم أشد حركات القطع . وجرسها اللفظي يصور معناها ، ويلقي ظل الشدة والعنف والتحطيم والقضاء الحاسم على القرى التي كانت ظالمة . فإذا هي مدمرة محطمة . . { وأنشأنا بعدها قومًا آخرين }

وهو عند القصم يوقع الفعل على القرى ليشمل ما فيها ومن فيها . وعند الإنشاء يوقع الفعل على القوم الذين ينشأون ويعيدون إنشاء القرى . . وهذه حقيقة في ذاتها .فالدمار يحل بالديار والدّيار . والإنشاء يبدأ بالديارين فيعيدون إنشاء الدور . . ولكن عرض هذه الحقيقة في هذه الصورة يضخم عملية القصم والتدمير ، وهذا هو الظل المراد إلقاؤه بالتعبير على طريقة التصوير!

ثم ننظر فنشهد حركة القوم في تلك القرى وبأس الله يأخذهم ، وهم كالفيران في المصيدة يضطربون من هنا إلى هناك قبيل الخمود: { فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } . .يسارعون بالخروج من القرية ركضًا وعدوا ، وقد تبين لهم أنهم مأخوذون ببأس الله . كأنما الركض ينجيهم من بأس الله . وكأنما هم أسرع عدوًا فلا يلحق بهم حيث يركضون! ولكنها حركة الفأر في المصيدة بلا تفكير ولا شعور . عندئذ يتلقون التهكم المرير: { لا تركضوا ، وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون } !

لا تركضوا من قريتكم . وعودوا إلى متاعكم الهنيء وعيشكم الرغيد وسكنكم المريح . . عودوا لعلكم تسألون عن ذلك كله فيم انفقتموه؟!

وما عاد هنالك مجال لسؤال ولا لجواب . إنما هو التهكم والاستهزاء!

عند ذلك يفيقون فيشعرون بأن لا مفر ولا مهرب من بأس الله المحيط . وانه لا ينفعهم ركض ، ولا ينقذهم فرار . فيحاولون الاعتراف والتوبة والاستغفار: { قالوا: يا ويلنا! إنا كنا ظالمين } ..ولكن لقد فات الأوان . فليقولوا ما يشاءون . فإنهم لمتركون يقولون حتى يقضى الأمر وتخمد الأنفاس: { فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدًا خامدين } ..ويا له من حصيد آدمي ، لا حركة فيه ولا حياة؛ وكان منذ لحظة يموج بالحركة ، وتضطرب فيه الحياة!

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت