فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 139

قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (100) سورة البقرة

وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -: وَاللهِ ، مَا عَهدَ إلينَا في مُحَمَّدٍ ، وَمَا أَخَذَ عَلَينَا مِيثَاقًا . فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ . ( وَقَالَ مُفَسِرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي المَدِينة ) .وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَقَضَهُ ( نَبَذَهُ ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد ، وأخيرًا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة ، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه؛ وأول من عاب دينه ، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . .

وبئس هي من خلة في اليهود! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض ، يعلنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم » . يسعى بذمتهم أدناهم ، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد ، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم ، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول: إن عبدًا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء ، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . . فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا} (155) سورة النساء

فَبِسَبَبِ نَقْضِ هَؤُلاَءِ اليَهُودِ لِلْمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَهُمُ اللهُ بِهِ ، ( إذْ أحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ ، وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللهُ ) . وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بَآيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ ، وَبِسَبَبِ قَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَاجْتِرَاءً عَلَى مَحَارِمِ اللهِ ، وَبِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنَا مُغَلَّفَةٌ بِغِطَاءٍ لاَ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ وُصُولُ العِلْمِ وَالهُدى إليها ( غُلفٌ ) . . . فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالتَّجَاوُزِ عَلَى أَوَامِرِ اللهِ وَحُدُودِهِ وَشَرْعِهِ ، فَعَلَ اللهُ بِهِمْ مَا فَعَلَ . وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ لَيْسَتْ مُغَلَّفةً ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَيْهَا بِالكُفْرِ ، فَلاَ يَصِلُ إليها إلاَّ قَلِيلٌ مِنَ الإِيمَانِ ( أَوْ إنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إلاّ قَلِيلُونَ ) .

ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح . . وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة . إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم؛ تهددهم بالوقوع عليهم؛ إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد؛ وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح . . عندئذ فقط استسلموا؛ وأخذوا العهد؛ وأعطوا الميثاق . . ميثاقًا غليظًا . . مؤكدًا وثيقًا . . يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم ، وغلظ القلب الذي في صدورهم ، ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ، وبالتخييل الحسي والتجسيم

وكان في هذا الميثاق: أن يدخلوا بيت المقدس سجدًا . وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدًا . ولكن ماذا كان؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم؛ وغياب القهر لهم ، تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءه بغير حق . وتبجحوا فقالوا: إن قلوبنا لا تقبل موعظة ، ولا يصل إليها قول ، لأنها مغلفة دون كل قول! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات . .

{ فبما نقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف . . . }

وعند قولهم: { قلوبنا غلف } . . وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما تيئيسًا له من إيمانهم واستجابتهم ، وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم ، وتبجحًا بالتكذيب وعدم الإصغاء ، وإما هذا وذلك معًا . . عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم: { بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلًا - }

فهي ليست مغلفة بطبعها .إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم ، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة ، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته ، فلا يقع منه الإيمان ، إلا قليلا ، ممن لم يستحق بفعله ، أن يطبع الله على قلبه . أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه ، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه . وهم قلة قليلة من اليهود . كعبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيدالله . .

وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (13) سورة المائدة

فَبِسَبَبَ نَقْضِهِم المِيثَاقَ الذِي أخَذَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ ( وَمِنْهُ الإِيمَانُ بِكُلِّ نَبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللهُ ، وَنَصْرُهُ وَتَبْجيلُهُ ) اسْتَحَقُّوا مَقْتَ اللهِ وَغَضَبَهُ ، حَتَّى قَتَلُوا الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَافْتَرَوا عَلَى مَرْيَمَ ، وَأَسَاؤُوا إلى عِيسَى ، الذِي جَاءَ لإِصْلاَحِ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ عَقَائِدِهِمِ وَأخْلاَقِهِمْ ، وَحَاوَلُوا قَتْلَهُ ، فَبِسَبَبِ جَمِيعِ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَمَعَاصٍ جَعَلَ اللهُ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ، فَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَوْعِظَةٍ لِغِلْظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَسْوَتِها ، وَجَعَلَ أَفْهَامَهُمْ فَاسِدَةً فَسَاءَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ فِي آيَاتِ اللهِ ، فَأَخَذُوا فِي تَحْرِيفِها وَتَأوِيلِها عَلَى غَيْرِ مَا أنْزِلَتْ لَهُ ، وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ المُرَادِ مِنْهَا ( يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) وَتَرَكُوا العَمَلَ بِهَا رَغْبَةً عَنْهَا ( نَسُوْا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) ، وَلاَ تَزَالُ تَكْتَشِفُ مِنْ أكْثَرِهِمْ غَدْرًا وَمَكْرًا بِكَ وَبِأصْحَابِكَ ( تَطَّلِعَ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ) ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، وَهذا هُوَ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ ، وَفِيهِ تَألُّفٌ لِقُلُوبِهِمْ ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَهْدِيَهُمْ إلَى الحَقِّ ، إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ . ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى - وَنَسُوا حَظّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ - هُوَ أنَّهُمْ نَسُوا الكِتَابَ الذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ) .

وصدق الله . فهذه سمات يهود التي لا تفارقهم .

.لعنة تبدو على سيماهم ، إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية . وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة ، وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية ، ومهما حاولوا - مكرًا - إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة ، والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة ، فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة . . وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه . تحريف كتابهم أولًا عن صورته التي أنزلها الله على موسى - عليه السلام - إما بإضافة الكثير إليه مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة على الله! وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوى والمصلحة والهدف الخبيث! ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم ، وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم ، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على منهج الله الطاهر النظيف القويم .

{ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ، إلا قليلًا منهم . . . } . .وهو خطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة . فهم لا يكفون عن محاولة خيانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة . بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة - ثم في الجزيرة كلها - وما تزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي على مدار التاريخ . على الرغم من أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي آواهم ، ورفع عنهم الاضطهاد ، وعاملهم بالحسنى ، ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه . ولكنهم كانوا دائمًا - كما كانوا على عهد الرسول - عقارب وحيات وثعالب وذئابًا تضمر المكر والخيانة ، ولا تني تمكر وتغدر . إن أعوزتهم القدرة على التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد ، وتآمروا مع كل عدو لهم ، حتى تحين الفرصة ، فينقضوا عليهم ، قساة جفاة لا يرحمونهم ، ولا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . أكثرهم كذلك . . كما وصفهم الله سبحانه في كتابه ، وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم نقضهم لميثاق الله من قديم

والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ، تعبير طريف:

{ ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم } . .الفعلة الخائنة ، والنية الخائنة ، والكلمة الخائنة ، والنظرة الخائنة . . يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة . . « خائنة » . . لتبقى الخيانة وحدها مجردة ، تملأ الجو ، وتلقي ظلالها وحدها على القوم . . فهذا هو جوهر جبلتهم ، وهذا هو جوهر موقفهم ، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة . .

إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق . وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها ، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله ، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها؛ وتسمع توجيهاته؛ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها ، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .

.ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها؛ وحين اتخذت القرآن مهجورًا - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة ، وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها .

ولقد كان الله - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ، حين نقضوا ميثاقهم مع الله ، لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله ، فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد ، ناقض للعقد . . فلما غفلت عن هذا التحذير ، وسارت في طريق غير الطريق ، نزع الله منها قيادة البشرية؛ وتركها هكذا ذيلًا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها؛ وحتى تستمسك بعهدها ، وحتى توفي بعقدها . فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس . . وإلا بقيت هكذا ذيلًا للقافلة . . وعد الله لا يخلف الله وعده . .

ولقد كان توجيه الله لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية: { فاعف عنهم واصفح ، إن الله يحب المحسنين } . .والعفو عن قبائحهم إحسان ، والصفح عن خيانتهم إحسان . .

ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان . فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة . ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها . وقد كان . .

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت