فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 139

6.قتلُ الأنبياء والوعد بالتمكين لهم :

قد سبق في مبحث"الوعد بالتمكين"ذكر وعد الله سبحانه في أم الكتاب عنده وفي الكتب المنزلة على الرسل بأن التمكين لهم والغلبة حظهم، وأنه سبحانه أكد ذلك الوعد بتوكيدات هي الغاية في التأكيد حقًا، ولكن تتفاجأ بديهة القارئ لكتاب الله ـ بعد أن يستشعر صدق الوعد ومثوله متحققًا ـ بقتل ذلك الموعود وعلى يدي أراذل الخلق ومجرمي الوقت، ومن المقتول ؟ النبي المرسل الداعي الموعود بالنصر والغلبة والحق الذي لا غبار عليه أن الوعد لم يتخلف فإن الله لا يخلف الميعاد، ومن أصدق من الله قيلًا، ومن أصدق من الله حديثًا، وأما النبي فقد قتل فعلًا، فقد قال سبحانه وتعالى عن أنبياء بني إسرائيل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } (87) سورة البقرة. وقال عنهم سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } (61) سورة البقرة. وقال سبحانه وتعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (21) سورة آل عمران.

ولإزالة الغموض وبيان الحق في هذه المسألة، وبيان أن وعد الله على تمامه سبحانه وتعالى رغم قتل النبي الموعود بالتمكين فلا بد من بيان ثلاث نقاط، وهي:

الأولى: أنه لم يقتل نبي من الأنبياء الذين أمروا بالقتال أبدًا:

فلم يقتل نبي في قتال ، وإنما قتل الأنبياء الذين ذكر الله أنهم قتلوا في غير جهاد ولا قتال ، قال صاحب أضواء البيان رحمه الله تعالى:

"وقد دلت هذه الآية الكريمة ، وأمثالها من الآية كقوله تعالى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } [ الصافات: 171 - 173 ] أنه لن يقتل نبي في جهاد قط ، لأن المقتول ليس بغالب ، لأن القتل قسم مقابل للغلبة ، كما بينه تعالى في قوله: { وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [ النساء: 74 ] الآية . وقال تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر: 51 ] الآية . وقد نفى عن المنصور كونه مغلوبًا نفيًا باتًا في قوله تعالى: { إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } [ آل عمران: 160 ] ."

وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: { أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [ البقرة: 87 ] وقوله تعالى: { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } [ آل عمران: 183 ] ليسوا مقتولين في جهاد ، وأن نائب الفاعل في قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران: 146 ] ، على قراءة قتل بالبناء للمفعول ، هو ربيون لا ضمير النبي .

وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران: 146 ] وذكرنا بعضه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } [ الصافات: 171 ] ". [1] "

والحقيقة أن هذا الاستنباط الذي استنبطه العلامة الشنقيطي من دلالات الآيات والتوفيق بينها للخروج بهذه القطعية لينبئ عن براعة الرجل في تفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يخرج ببرهان واضح في هذه المسألة، ويوافق ما قاله الحسن وسعيد بن جبير من أنه"ما قتل نبي في حرب قط".

أما القراءة التي في قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } (146) سورة آل عمران بدلًا من قراءة (( قاتل ) )فهي قراءة سبعية، قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو، ومن العشرة يعقوب وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، إلا أن الآية لا تنص على أن النبي المقتول كان في قتال أو أمر به، وعليه فلا تخالف ما سبق تقريره في ذلك.

ــــــــــــــــــــ

(1) - أضواء البيان - (ج 8 / ص 165)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت