قال تعالى في سورة التوبة: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 33}
وفي سورة الفتح: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا 28}
وفي سورة الصف: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 9}
اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - بِكِتَابٍ هُوَ القُرْآنُ ، كَفِلَ حِفْظَهُ حَتَّى آخِرِ الزَّمَانِ ، فِيهِ الهُدَى وَدِينُ الحَقِّ ، وَسَيُظْهِرُهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ ، لأَنَّهُ هُوَ الدِّينُ الصَّحِيحُ الذِي جَاءَ بِالدَّعْوَةِ الصَّحِيحَةِ ( التِي جَاءَتْ بِهَا جَمِيعُ الأَدْيَانِ السَّابِقَةِ ) وَهِيَ دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ وَالإِيمانُ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، فَبَدَّلَ النَّاسُ ، وَحَرَّفُوا فِيها ، فَجَاءَ الإِسْلاَمُ لِتَصْحِيحِ ذَلِكَ ، وَلِيُعِيدَ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ صَفَاءَهَا وَأَصَالَتَهَا وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ .
وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذَي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى ودَين الإِسْلامِ ، لِيَجْعَلَ الإِسْلامَ - وَهُوَ دِينُ الحَقِّ - ظَاهِرًا عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ في الأَرْضِ ، وَقَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ بِدُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ آمِنُونَ ، فحَققَ اللهُ ذَلِكَ الوَعْدَ ، وَسَيُحَققُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ بأنَّهُ تَعَالى سَيُظْهِرُ الإِسْلاَمَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ ، وَهُوَ تَعَالى شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبدًا .
فلقد ظهر دين الحق ، لا في الجزيرة وحدها ، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها قبل مضي نصف قرن من الزمان . ظهر في امبراطورية كسرى كلها ، وفي قسم كبير من امبراطورية قيصر ، وظهر في الهند وفي الصين ، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها ، وفي جزر الهند الشرقية"إندونيسيا". . وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي .
وما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله - حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها ، وبخاصة في أوربا وجزر البحر الأبيض . وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان .
أجل ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله ، من حيث هو دين . فهو الدين القوي بذاته ، القوي بطبيعته ، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله !
لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصلية ؛ ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح ، وحاجات العمران والتقدم ، وحاجات البيئات المتنوعة ، من ساكني الأكواخ إلى سكان ناطحات السحاب .
وما من صاحب دين غير الإسلام ، ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة ، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة ، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة وكفى بالله شهيدا . .
فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية . ووعد الله ما يزال متحققا في الصورة الموضوعية الثابتة ؛ وما يزال هذا الدين ظاهرا على الدين كله في حقيقته . بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادرا على العمل ، والقيادة ، في جميع الأحوال .
ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم ! فغير أهله يدركونها ويخشونها ، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب !
ــــــــــــــــــــ