فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 139

20.الظلمُ بكل أشكاله :

قال تعالى: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} (13) سورة يونس

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ مَكَّةَ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ العَذَابِ فِي الأَقْوَامِ السَّابِقَةِ ( القُرُونِ ) الذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنَ البَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ لأَنَّهُمْ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا لَوْ تَرَكَهُمُ اللهُ ، فَاعْتَبِرُوا يَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، فَكَمَا أَهْلَكَ اللهُ مَنْ قَبْلَكُمْ ، كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بِالمُجْرِمِينَ مِنْكُمْ ..

لقد انتهى بهم الإسراف وتجاوز الحد والظلم - وهو الشرك - إلى الهلاك . وهذه مصارعهم كانوا يرون بقيتها في الجزيرة العربية في مساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط . .

وتلك القرون . جاءتهم رسلهم بالبينات كما جاءكم رسولكم: { وما كانوا ليؤمنوا } . .

لأنهم لم يسلكوا طريق الإيمان ، وسلكوا طريق الطغيان فأبعدوا فيها ، فلم يعودوا مهيئين للإيمان . فلقوا جزاء المجرمين . . { كذلك نجزي القوم المجرمين } . ."وَأُمُورُ النَّاسِ تَسْتَقِيمُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنْوَاعِ الْإِثْمِ: أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَقِيمُ مَعَ الظُّلْمِ فِي الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِكْ فِي إثْمٍ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً ؛ وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً . وَيُقَالُ: الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ وَلَا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْإِسْلَامِ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - { لَيْسَ ذَنْبٌ أَسْرَعَ عُقُوبَةً مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ } فَالْبَاغِي يُصْرَعُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ مَرْحُومًا فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ نِظَامُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْلِ قَامَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْلِ لَمْ تَقُمْ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ ؛ فَالنَّفْسُ فِيهَا دَاعِي الظُّلْمِ لِغَيْرِهَا بِالْعُلُوِّ عَلَيْهِ وَالْحَسَدِ لَهُ ؛ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ . وَدَاعِي الظُّلْمِ لِنَفْسِهَا بِتَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ الْقَبِيحَةِ كَالزِّنَا وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ . فَهِيَ قَدْ تَظْلِمُ مَنْ لَا يَظْلِمُهَا ؛ وَتُؤْثِرُ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْهَا ؛ فَإِذَا رَأَتْ نُظَرَاءَهَا قَدْ ظَلَمُوا وَتَنَاوَلُوا هَذِهِ الشَّهَوَاتِ صَارَ دَاعِي هَذِهِ الشَّهَوَاتِ أَوْ الظُّلْمِ فِيهَا أَعْظَمَ بِكَثِيرِ وَقَدْ تَصْبِرُ ؛ وَيَهِيجُ ذَلِكَ لَهَا مِنْ بُغْضِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَحَسَدِهِ وَطَلَبِ عِقَابِهِ وَزَوَالِ الْخَيْرِ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ نَفْسِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؛ يَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَالْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ ؛ وَالْجِهَادُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ ." [1]

وقال تعالى: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} (59) سورة الكهف

لَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ السَّالِفَةَ: عَادًا وَثَمُودَ وَقَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَأَصْحَابَ الأَيْكَةِ . . وَدَمَّرَ قُرَاهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَعِنَادِهِمْ ، وَجَعَلَ لِمَهْلِكِهِمْ وَقْتًا مُعَيَّنًا ( مَوْعِدًا ) ، لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ ، فَاحْذَرُوا ، أَيُّهَا المُشْرِكُونَ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِنْ تَمَادَيْتُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ..

وعَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِى لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ » . قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (102) سورة هود"صحيح البخاري [2] "

وقال تعالى: { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) [الأعراف/4-10] }

وَكَثِيرٌ مِنَ القُرَى ( أَوِ البِلاَدِ ) أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَهَا ، لِمُخَالَفَتِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ فِيما جَاؤُوهُمْ بِهِ ، وَتَكْذِيبِهمْ إِيَّاهُمْ ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ فِي الدُّنيا ، وَسَيُذِلُّهُمْ فِي الآخِرَةِ ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَبَأْسُهُ لَيلاَ ( بَيَاتًا ) وَمِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ نَهَارًا وَهُمْ يَسْتَرِيحُونَ وَسَطَ النَّهَارِ ( قَائِلُونَ ) ، وَكِلاَ الوَقْتَينِ وَقْتُ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وَلَهْوٍ ، فَعَلى العَاقِلِ أَلاَّ يَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا ، وَأَلاَّ يَأْمَنَ غَدْرَ اللَّيَالِي .

وَحِينَ جَاءَهُمُ العَذَابُ لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا غَيْرَ الاعْتِرَافِ بِذُنُوبِهِمْ ، وَظُلْمِهِمْ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَشَهِدُوا بِبُطْلاَنِهِ ، وَبِأَنَّهُم حَقِيقُونَ بِهَذا العَذَابِ الذِي نَزَلَ بِهِمْ ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَظْلِمْهُمْ .

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَيَسْأَلُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أَجَابُوا بِهِ رُسُلَهُمْ فِيمَا أَرْسَلَهُمُ اللهُ بِهِ إِلَيْهِم ، وَسَيَسْأَلُ الرُّسُلَ أَيْضًا عَمَّا بَلَّغُوهُ إلَى الأُمَمِ مِنْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ، وَعَمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ أَقْوَامُهُمْ .

وَسَيَقُصُّ اللهُ تَعَالَى ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ، عَلَى الرُّسُلِ ، وَعَلَى أَقْوَامِهِمْ الذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِم ، كُلَّ مَا وَقَعَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ، قَصَصًا بِعِلْمٍ مِنْهُ مُحِيطٍ بِكُلِّ شَيءٍ كَانَ مِنْهُمْ ، وَمَا كَانَ اللهُ غَائِبًا عَنْهُمْ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ، وَلاَ فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ ، بِلْ كَانَ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ ، وَيُبْصِرُ مَا يَعْمَلُونَ ، وَيُحِيطُ بِمَا يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ .وَاللهُ تَعَالَى يَزِنُ أَعْمَالِ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَيُقَدِّرُهَا بِعَدْلٍ تَامٍّ ( بِالحَقِّ ) ، فَلا يَظْلِمُ أَحَدًا شَيْئًا ، فَالذِينَ تَرْجَحُ مَوَازِينُ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ وَحَسَنَاتُهُمْ ( ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُمْ ) فَأُولئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ بِالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ ( المُفْلِحُونَ )

أَمَّا الذِينَ خَفَّتْ موازينُ أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ ، وَرَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَكَيثْرَةِ مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ ، فَهؤُلاءِ يَكُونُونَ قَدْ خِسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لأَنَّهُمْ حَرَمُوهَا السَّعَادَةَ التِي كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لَهَا لَوْ لمْ يُفْسِدُوا فِطْرَتَهَا .وَالمُؤْمِنُونَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِ الأَعْمَالِ ، هُمُ المُفْلِحُونَ ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَإِنْ عُذِّبَ عَلَى بَعْضِ ذُنُوبِهِ بِمِقْدَارِهَا ، وَإِنَّ الكَافِرِينَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَكَاتِهِمْ هُمْ فِي خُسْرَانٍ عَظِيمٍ . يَمْتَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ الأَرْضَ قَرارًا يَعِيشُونَ وَيَسْتَقِرُّونَ عَلَيها ، وَجَعَلَ فِيها جِبَالًا رَاسِياتٍ تَسَهِّلُ اسْتِقْرارَ النَّاسِ عَلَيهَا ، فَلا تَمِيدُ بِهِمْ ، وَجَعَلَ فِيها أَنْهَارًا ، وَأَبَاحَ للنَّاسِ التَّمَتُّعَ بِمَنَافِعِها ، وَسَخَّرَ الرِّياحَ لإِخْرَاجِ أَرْزَاقِهِمْ مِنْهَا ، وَجَعَلَ لِلنَّاسِ مَا يَيَسَبَّبُونَ بِهِ وَيَتَكَسَّبُونَ ( مَعَايِشَ ) ، وَلِكنَّ النَّاسَ ، مَعَ جَميعِ هذِهِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، قَلِيلٌ مِنْهُمُ الشَّكُورُ ، وَاللهُ تَعَالَى سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُفْرَانِهِمْ بِالنِّعَمِ حِسَابًا عَسِيرًا .

ــــــــــــــــــــ

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 146)

(2) - 94/6 برقم (4686)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت