فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 139

هَلْ تَخَلَّى اللهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ؟

الباحث

في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

نسخة معدلة ومزيدة

(حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين و على آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين

أما بعد:

فإن الذي يرى هذه النكبات ، التي تصب على هذه الأمة صبا من قبل أعدائها ،يظن أن الله تعالى قد تخلى عن هذه الأمة ، فيصل به الحال إلى حدِّ اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى 0

ونسي هؤلاء قول الله تعالى:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110) سورة آل عمران

وقول الله تعالى:

{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (32) سورة فاطر

وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) } سورة الصافات

وقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) } [التوبة/33]

وعن ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّى سَأَلْتُ رَبِّى لأُمَّتِى أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّى أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا » أخرجه مسلم [1]

وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ » أخرجه أحمد في مسنده [2] .

ولذا أقول:

إن الله تعالى لم يتخل عن هذه الأمة ولن يخلى عنها أبدا حتى قيام الساعة ، وفي هذا الكتاب جواب مفصل على هذا السؤال الجلل ، والرد على من زعم تخلي الله تعالى عن هذه الأمة الخاتمة ، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (44) سورة الزخرف

هذا وقد قسمت الموضوع لأربعة أبواب وهي:

الباب الأول )) -الأدلة على عدم تخلي الله تعالى عن هذه الأمة

الباب الثاني )-شروط الاستخلاف في هذه الأرض

الباب الثالث )- شروط النصر:

الباب الرابع )- متى يتخلى الله عنا ويخذلنا ؟

الباب الخامس)- المستقبل للإسلام

وعمدة هذا البحث هو القرآن والسنة فعن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .أخرجه مالك [3]

فلا فلاح ولا نجاح ولا سعادة لهذه الأمة بغيرهما .

وقد شرحت الآيات القرآنية بشكل مختصر بحث يدلُّ على المعنى العام للآية ، وخرجت الأحاديث من مصادرها ، وبينت ح معناها بشكل مختصر

هذا وأسال الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره في الدارين آمين

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 20 ذو الحجة 1427 هـ الموافق 10/1/2007م

تم تعديله بتاريخ 20 ربيع الأول 1429 هـ الموافق ل 28/3/2008 م

وهذبته بتاريخ 9 رجب 1429 هـ الموافق ل 12/7/2008 م

الباب الأول

الأدلة على عدم تخلي الله تعالى عن هذه الأمة

1.الدلالة اللغوية لكلمة"التمكين":

"التمكين"مصدر للفعل مكّن وهو من مزيد الثلاثي والأصل"مكَن"وقد وردت مادة"مكن"في كتب اللغة ولم تخرج عن أصل وضعها، قال الجوهري:("مكن"مكنه الله من الشيء وأمكنه منه بمعنى، واستمكن الرجل من الشيء وتمكن منه بمعنى، وفلان لا يمكنه النهوض: أي لا يقدر عليه.

والمكْن: بيض الضب.. قال الكسائي: أمكنت الضبة جمعت بيضها في بطنها) [4]

وقال صاحب اللسان: (( مكن ) المَكْنُ والمَكِنُ بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة ونحوهما قال أَبو الهِنْديّ واسمه عبد المؤمن بن عبد القُدُّوسِ ومَكْنُ الضِّبابِ طَعامُ العُرَيب ولا تشْتَهِيه نفُوسُ العَجَمْ واحدته مَكْنةٌ ومَكِنة بكسر الكاف وقد مَكِنَتِ الضَّبَّةُ وهي مَكُونٌ وأَمْكَنتْ وهي مُمْكِنٌ إذا جمعت البيض في جوفها والجَرادةُ مثلها الكسائي أَمْكَنَتِ الضَّبَّةُ جمعت بيضها في بطنها فهي مَكُونٌ وأَنشد ابن بري لرجل من بني عُقيل أَراد رَفِيقي أَنْ أَصيدَهُ ضَبَّةً مَكُونًا ومن خير الضِّباب مَكُونُها وفي حديث أَبي سعيد لقد كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُهْدَى لأَحدنا الضَّبَّةُ المَكُونُ أَحَبُّ إليه من أَن يُهْدَى إليه دجاجةٌ سمينة المَكُونُ التي جمعت المَكْنَ وهو بيضها يقال ضبة مَكُونٌوضَبٌّ مَكُونٌ ومنه حديث أَبي رجاءٍ أَيُّما أَحبُّ إليك ضَبٌّمَكُون أَو كذا وكذا ؟ وقيل الضبَّةُ المَكُونُ التي على بيضها ويقال ضِبابٌ مِكانٌ قال الشاعر وقال تعَلَّمْ أَنها صَفَريَّةٌ مِكانٌ بما فيها الدَّبَى وجَنادِبُهْ الجوهري المَكِنَةُ بكسر الكاف واحدة المَكِنِ والمَكِناتِ وقوله - صلى الله عليه وسلم - أَقِرُّوا الطير على مَكِناتها ومَكُناتها بالضم قيل يعني بيضها على أَنه مستعار لها من الضبة لأَن المَكِنَ ليس للطير وقيل عَنى مَوَاضع الطير والمكنات في الأَصل بيض الضِّباب قال أَبو عبيد سأَلت عِدَّةً من الأَعراب عن مَكِناتِها فقالوا لا نعرف للطير مَكِناتٍ وإِنما هي وُكُنات إنما المَكِناتُ بيض الضِّبابِ قال أَبو عبيد وجائز في كلام العرب أَن يستعار مَكْنُ الضِّبابِ فيجعل للطير تشبيهًا بذلك كما قالوا مَشافر الحَبَشِ وإنما المَشافر للإبل وكقول زهير يصف الأَسد لدَى أَسَدٍ شاكي السِّلاح مُقَذَّفٍ له لِبَدٌ أَظفارُه لم تُقَلَّمِ وإنما له المَخالِبُ قال وقيل في تفسير قوله أَقِرُّوا الطير على مَكِناتها يريد على أَمْكِنتها ومعناه الطير التي يزجر بها يقول لا تَزْجُرُوا الطير ولا تلتفتوا إليها أَقِرُّوها على مواضعها التي جعلها الله لها أَي لا تضر ولا تنفع ولا تَعْدُوا ذلك إلى غيره وقال شمر الصحيح في قوله على مَكِناتِها أَنها جمع المَكِنَة والمَكِنةُ التمكن تقول العرب إن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أي تَمكُّنٍ فيقول أَقِرُّوا الطير على كل مَكِنةٍ ترَوْنَها عليها ودَعُوا التطير منها وهي مثل التَّبِعةِ مِنَ التَّتبُّعِ والطَّلِبةِ من التَّطلُّب قال الجوهري ويقال الناس على مَكِناتِهم أَي على استقامتهم قال ابن بري عند قول الجوهري في شرح هذا الحديث ويجوز أَن يراد به على أَمْكِنتها أَي على مواضعها التي جعلها الله تعالى لها) [5]

وقال صاحب المفردات عند مادة"مكن": (المكان عند أهل اللغة: الموضع الحاوي للشيء، وعند بعض المتكلمين أنه عرض، وهو اجتماع جسمين حاو ومحوي، وذلك أن يكون سطح الجسم الحاوي محيطا بالمحوي، فالمكان عندهم هو المناسبة بين هذين الجسمين. قال: {مكانا سوى} [طه/58] ، {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا} [الفرقان/13] ويقال: مكنته ومكنت له فتمكن، قال: {ولقد مكناكم في الأرض} [الأعراف/ 10] ، {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} [الأحقاف/26] ، {أو لم نمكن لهم} [القصص/57] ، {ونمكن لهم في الأرض} [القصص/6] ، {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} [النور/55] ، وقال: {في قرار مكين} [المؤمنون/13] . وأمكنت فلانا من فلان، ويقال: مكان ومكانة. قال تعالى: {اعملوا على مكانتكم} [هود/93] وقرئ: {على مكاناتكم} (وبها قرأ شعبة عن عاصم. انظر: الإتحاف ص 260) ، وقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين} [التكوير/ 20] أي: متمكن ذي قدر ومنزلة. ومكنات الطير ومكناتها: مقاره، والمكن: بيض الضب، و {بيض مكنون} [الصافات/49] . قال الخليل (العين 5/387) : المكان مفعل من الكون، ولكثرته في الكلام أجري مجرى فعال (وهذا النقل عن التهذيب 10/294.

وقال ثعلب: يبطل أن يكون مكان فعالا؛ لأن العرب تقول: كن مكانك، وقم مكانك، واقعد مقعدك. فقد دل هذا على أنه مصدر من (كان) أو موضع منه. انظر: اللسان (مكن) )، فقيل: تمكن وتمسكن، نحو: تمنزل.). [6]

ومما سبق نخلص إلى أن مادة الكلمة قد استعملت بمعانٍ عديدة متقاربة لا تخرج عن أصل الاستعمال فقد استعملت بمعنى القدرة على الشيء والظفر به، وكذلك بمعنى السلطان والقدر والمنزلة.

ــــــــــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (7440)

(2) - برقم (17420) وهو صحيح

(3) - (1628) 900/2 بلاغًا وهو صحيح لغيره

(4) - الصحاح (6/2205) .

(5) - لسان العرب - (ج 13 / ص 412)

(6) - مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة - (ج 2 / ص 382)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت