عُقُودِهِ بَل هُوَ مُنَفِّذٌ لهَا وَذَلكَ كَالوَارِثِ وَالمُشْتَرِي وَالمُتَّهِبِ وَالمُوصَى لهُ بِالعَيْنِ وَالزَّوْجَةِ إذَا أَخَذَتْ العَيْنَ صَدَاقًا , أَوْ أَخَذَهُ الزوج مِنْهَا عِوَضًا عَنْ خُلعٍ أَوْ صُلحًا أَوْ غَيْرَ ذَلكَ.
وَثَالثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُزَاحِمًا للأَوَّل فِي الاسْتِحْقَاقِ وَمُتَلقِّيًا للمِلكِ عَمَّنْ تَلقَّاهُ الأَوَّل , لكِنْ لا حَقَّ لهُ فِي العَيْنِ إلا بَعْدَ انْتِهَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ كَالبَطْنِ الثَّانِي مِنْ أَهْل الوَقْفِ إذَا أَجَّرَ البَطْنَ الأَوَّل ثُمَّ انْقَرَضَ وَالإِجَارَةُ قَائِمَةٌ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَا قَال القَاضِي فِي المُجَرَّدِ: أَنَّهُ قِيَاسُ المَذْهَبِ إنَّهُ لا تَنْفَسِخُ ; لأَنَّ الثَّانِي لا حَقَّ لهُ فِي العَيْنِ إلا بَعْدَهُ فَهُوَ كَالوَارِثِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ المَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَزَمَ القَاضِي فِي خِلافِهِ , وَقَال: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ وَابْنِهِ أَبِي الحُسَيْنِ وَحَكَيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلا , وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ ; لأَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَة تَسْتَحِقُّ العَيْنَ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا تَلقِّيًا عَنْ الوَاقِفِ بِانْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ الأُولى فَلا حَقَّ للأُولى فِيهِ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ , بِخِلافِ الوَرَثَةِ فَإِنَّهُمْ لا يتلقون عَنْ مُوَرِّثِهِمْ إلا مَا خَلفَهُ فِي مِلكِهِ مِنْ الأَمْوَال وَلمْ يَخْلفْ هَذِهِ المَنَافِعَ , وَحَقُّ المَالكِ لمْ يَنْقَطِعْ عَنْ مِيرَاثِهِ بِالكُليَّةِ بَل آثَارُهُ بَاقِيَةٌ وَلذَلكَ تُقْضَى دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ الشَّرِكَةِ وَهِيَ مِلكُهُ عَلى قَوْلهِ إلى أَنْ تُقْضَى دُيُونُهُ , فَكَيْفَ يَعْرِضُ عَليْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ بِنَفْسِهِ , وَأَيْضًا فَهُوَ كَانَ يَمْلكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالهِ عَلى التَّأْيِيدِ بِوَقْفِ عَقَارِهِ وَالوَصِيَّةِ بِهِ وَبِمَا تَحْمِل شَجَرَتُهُ أَبَدًا , وَالمَوْقُوفُ عَليْهِ بِخِلافِهِ فِي ذَلكَ كُلهِ.
وَخَرَّجَ صَاحِبُ المُغْنِي وَجْهًا آخَرَ بِبُطْلانِ العَقْدِ مِنْ أَصْلهِ بِنَاءً عَلى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَمَا سَبَقَ , لكِنَّ الأُجْرَةَ إنْ كَانَتْ مُقَسَّطَةً عَلى أَشْهُرِ مُدَّةِ الإِجَارَةِ أَوْ أَعْوَامِهَا فَهِيَ صَفَقَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ عَلى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ فَلا تَبْطُل جَمِيعًا بِبُطْلانِ بَعْضِهَا , وَإِنْ لمْ تَكُنْ مُقَسَّطَةً فَهِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَطَّرِدُ فِيهَا الخِلافُ المَذْكُورُ.
وَاعْلمْ أَنَّ فِي ثُبُوتِ الوَجْهِ الأَوَّل نَظَرٌ؛ لأَنَّ القَاضِيَ إنَّمَا فَرَضَهُ فِيمَا إذَا أَجَّرَ المَوْقُوفَ عَليْهِ لكَوْنِ النَّظَرِ لهُ مَشْرُوطًا وَهَذَا مَحَل تَرَدُّدٍ , أَعْنِي: إذَا أَجَّرَ بِمُقْتَضَى النَّظَرِ المَشْرُوطِ لهُ هَل يَلحَقُ بِالنَّاظِرِ العَامِّ فَلا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ الإِجَارَاتُ أَمْ لا؟ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا المُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَلحَقهُ بِالنَّاظِرِ العَامِّ فِي ذَلكَ , وَهَكَذَا حُكْمُ المُقْطِعِ إذَا أَجَّرَ أَقْطَاعَهُ ثُمَّ انْتَقَلتْ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ بِإِقْطَاعِ أَحَدٍ.
وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مُزَاحِمًا للأَوَّل فِي اسْتِحْقَاقِ التَّلقِّي عَمَّنْ تَلقَّى عَنْهُ الأَوَّل بِسَبْقِ حَقِّهِ وَتَقْدِيمِهِ عَليْهِ وَهُوَ المُشْتَرِي للشِّقْصِ المَشْفُوعِ إذَا أَجَّرَ , وَقُلنَا بِصِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ بِالإِجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا , ثُمَّ انْتَزَعَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ المُقْنِعِ لا تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ , لأَنَّ مِلكَ المُؤَجِّرِ ثَابِتٌ , وَيَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الأُجْرَةَ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ ; لأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ العَيْنِ وَالمَنْفَعَةِ , فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ إلى بَدَلهِ