وَالثَّانِي: الْخَلْوَةُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْوَطْءُ بِمِثْلِهِ, فَإِنْ كَانَ ثُمَّ مَانِعٌ إمَّا حِسِّيٌّ كَالْجَبِّ وَالرَّتَقِ أَوْ شَرْعِيٌّ كَالإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ, فَهَلْ يُقَرَّرُ الْمَهْرُ؟ عَلَى طُرُقٍ لِلْأَصْحَابِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَكَذَا لِصَاحِبِ الْمُغْنِي, إلاَ أَنَّهُ أَوْرَدَ رِوَايَةً ثَالِثَةً بِالْعِوَضِ بَيْنَ الْمَانِعِ الْمُتَأَكِّدِ شَرْعًا كَالإِحْرَامِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ فلا يستقر معه المهر بخلاف غيره والثانية: إن كان المانع من الوطء ودواعيه كالإحرام وصيام رمضان فَفِيهِ رِوَايَتَانِ, وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْنَعُ الدَّوَاعِي كَالْحَيْضِ وَالْجَبِّ وَالرَّتَقِ اسْتَقَرَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً, وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ, وَالثَّالِثَةُ: إنْ كَانَتْ الْمَوَانِعُ بِالزَّوجِ اسْتَقَرَّ الصَّدَاقُ رِوَايَةً وَاحِدَةً, وَإِنْ كَانَتْ بِالزَّوْجَةِ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلاَفِهِ.
وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ حَكَى رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ لِمُجَرَّدِهَا بِدُونِ الْوَطْءِ أَخْذًا مِمَّا رُوِى يَعْقُوبُ بْنُ بِخِتَانِ عَنْ أَحْمَدَ إذَا خَلاَ بِهَا وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ إنَّ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, وَأَنْكَرَ الأَكْثَرُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَحَمَلُوا رِوَايَةَ يَعْقُوبَ هَذِهِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا قَرَّرَتْ الْمَهْرَ; لاِنَّهُ مَظِنَّةُ الْوَطْءِ الْمُقَرَّرِ فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي التَّقْرِيرِ; لاِنَّ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ لاَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا فَعَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى مَظِنَّتِهِ, فَإِذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْوَطْءُ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الْعِدَّةِ; لاِنَّ فِيهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى, وَهَلْ يُقْبَلُ فِي سُقُوطِ نِصْفِ الْمَهْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ, نَقَلَ ابْنُ بُخْتَانَ قَوْلَهُ; لاِنَّهُ حَقٌّ مَحْضٌ لِلزَّوْجَةِ, وَقَدْ أَقَرَّتْ بِسُقُوطِهِ, وَنَقَلَ الأَكْثَرُونَ عَدَمَ قَبُولِهِ لِمُلاَزِمَتِهِ لِلْعِدَّةِ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ مُقَرَّرَةٌ لِمَظِنَّةِ الْوَطْءِ, وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ قَالَ إنَّمَا قُرِّرَتْ لِحُصُولِ التَّمْكِينِ بِهَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي, وَرَدَّهَا ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْخَلْوَةَ مَعَ الْجَبِّ لاَ تَمْكِينَ بِهَا, قَالَ: وَإِنَّمَا قُرِّرَتْ لاِحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا لاِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ, أَوْ; لاِنَّ طَلاَقَهَا بَعْدَ الْخَلْوَةِ بِهَا وَرَدَّهَا زُهْدًا فِيهَا, فَفِيهِ ابْتِذَالٌ وَكَسْرٌ لَهَا, فَوَجَبَ جَبْرُهُ بِالْمَهْرِ, وَقِيلَ بَلْ الْمُقَرَّرُ هُوَ اسْتِبَاحَةُ مَا لاَ يُسْتَبَاحُ إلاَ بِالنِّكَاحِ مِنْ الْمَرْأَةِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْخَلْوَةُ وَاللَّمْسُ بِمُجَرَّدِهِمَا; لاِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ, وَالْمَهْرُ يَسْتَقِرُّ بِنَيْلِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لاَ يَقِفُ عَلَى نَيْلِ جَمِيعِهِ, وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ, قِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَخَذَهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ فَمَسَّهَا وَقَبَضَ عَلَيْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا؟ قَالَ: إذَا نَالَ منها شَيْئًا لاَ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ. وَعَلَى هَذَا فَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ وَإِنْ مَنَعَهُ الْوَطْءُ, بِخِلاَفِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالأَصْحَابُ.
الْمُقَرَّرُ الثَّالِثُ: الْمَوْتُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقِيلَ الْفُرْقَةُ, وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ فِيهِ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ لَهَا الْمَهْرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِهَا مِنْهُ وَعَدَمِهِ, وَيَتَقَرَّرُ بِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ إذهاب عُذْرَتِهَا بِدَفْعِهَا, عَلَى رِوَايَةٍ خَرَّجَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَقَدْ سَبَقَتْ.