بِأَلْفَيْنِ إذَا عَتَقَ, كَذَلِكَ هَاهُنَا, قال: وَهَذَا مَوْضِعٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ; لاِنَّ مَوْتَهُ حَصَلَ بِقَطْعِ يَدِهِ وَقِيمَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَلْفَانِ.
وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إذَا جُرِحَ ذِمِّيٌّ خَطَأً ثُمَّ أَسْلَمَ وَسَرَى الْجُرْحُ إلَى النَّفْسِ وَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ. أَحَدُهَا: الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ حَالَ الْجُرْحِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ. وَالثَّانِي: عَلَى عَاقِلَتِهِ أَرْشُ الْجُرْحِ وَالزَّائِدُ بِالسِّرَايَةِ فِي مَالِهِ; لاِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ مُخَالَفَتِهِ لِدِينِ عَاقِلَتِهِ. وَالثَّالِثُ: الدِّيَةُ كُلُّهَا فِي مَالِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ دِيَتُهُ حَالَ الرَّمْيِ وَالإِصَابَةِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ; لاِنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بِالاِنْدِمَالِ أَوْ السِّرَايَةِ, وَلَوْ كَانَ الْجَانِي ابْنَ مُعْتَقَةٍ لِقَوْمٍ ثُمَّ أَنْجَزَ وَلاَءَهُ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ فَفِي الْمُحَرَّرِ هُوَ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ, وَفِي الْكَافِي الدِّيَةُ فِي مَالِهِ, وَلَمْ يَذْكُرْ خِلاَفًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ:
منهَا: إذَا جَرَحَ عَبْدًا حَرْبِيًّا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ, أَوْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا ثُمَّ مَاتَ, فَلاَ ضَمَانَ; لاِنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ لاَ يَضْمَنُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
منها: لَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَلاَ ضَمَانَ.
وَمنها: لَوْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَلاَ ضَمَانَ أَيْضًا. وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ أَنَّ الضَّمَانَ هُنَا مُخَرَّجٌ عَلَى الضَّمَانِ فِيمَا إذَا طَرَأَ الإِسْلاَمُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الإِصَابَةِ.
وَمنها: لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ فَمَاتَ فِيهِ فَلاَ ضَمَانَ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ, ذَكَاةً فِي الْحِلِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي, وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ, وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ سُفْيَانَ فِي صَيْدِ ذِمِّيٍّ فِي الْحِلِّ فَتَحَامَلَ فَدَخَلَ الْحَرَمَ فَمَاتَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ; لاِنَّهُ مَاتَ فِي الْحَرَمِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ: وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
وَمنها: لَوْ جَرَحَ عَبْدٌ نَفْسَهُ ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لاَ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ؛ لاِنَّ عَبْدَ نَفْسِهِ إنَّمَا يُهْدَرُ ضَمَانُهُ عَلَى السَّيِّدِ دُونَ غَيْرِهِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلاَفِ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِدِيَةِ حُرٍّ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الضَّمَانَ بِالْقِيمَةِ فَلاَ إشْكَالَ فِي عَدَمِ ضَمَانِهِ، وَلِهَذَا خَرَّجَهُ صَاحِبُ الْكَافِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الاِعْتِبَارِ بِحَالِ الْجِنَايَةِ أَوْ السِّرَايَةِ.