ومنها: إذَا نَذَرَ الحَجَّ مَنْ عَليْهِ حَجُّ الفَرْضِ ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ فَهَل يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا نَصَّ عَليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالبٍ وَنَقَلهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ.
وَالثَّانِيَة: لا يُجْزِئُهُ، نَقَلهَا ابْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ اللهِ وَهِيَ المَشْهُورَةُ.
وَقَدْ حَمَل بَعْضُ الأَصْحَابِ كَأَبِي الحُسَيْنِ فِي التَّمَامِ الرِّوَايَةَ الأُولى عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ النَّذْرِ قَبْل الفَرْضِ وَفَرْضُهُمَا فِيمَا إذَا نَوَى النَّذْرَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْهُ وَتَبْقَى عَليْهِ حَجَّةُ الإِسْلامِ وَلا يَصِحُّ ذَلكَ.
ومنها: إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يَقْدَمُ فِيهِ فُلانٌ فَقَدِمَ فِي أَوَّل رَمَضَانَ، هَل يُجْزِئُهُ رَمَضَانُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ. أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَصْحَابِ لا يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا وَالثَّانِيَة يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا نَقَلهَا المَرُّوذِيّ وَصَرَّحَ بِهَا الخِرَقِيِّ فِي كِتَابِهِ وَحَمَلهَا المُتَأَخِّرُونَ عَلى أَنَّ نَذْرَهُ لمْ يَنْعَقِدْ لمُصَادَفَتِهِ رَمَضَانَ وَلا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيل وَعَلى رِوَايَةِ الإِجْزَاءِ فَقَال صَاحِبُ المُغْنِي لا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ وَقَال الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ: لا يَحْتَاجُ إلى نِيَّةِ النَّذْرِ، قَال وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ وَأَحْمَدَ لأَنَّا نُقَدِّرهُ كَأَنَّهُ نَذَرَ هَذَا القَدْرَ مُنْجِزًا عِنْدَ القُدُومِ فَجَعَلهُ كَالنَّاذِرِ لصَوْمِ رَمَضَانَ لجِهَةِ الفَرْضِيَّةِ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَلوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُطْلقٍ فَصَامَ رَمَضَانَ يَنْوِيَهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلى مَسْأَلةِ الحَجِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزغواني وَغَيْرُهُ.
ومنها: لوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ مِنْ المَال وَقْتَ حُلول الحَوْل، فَهَل تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ عَلى وَجْهَيْنِ, وَعَلى القَوْل بِالوُجُوبِ فَهَل تُجْزِيه الصَّدَقَةُ عَنْ النَّذْرِ وَالزَّكَاةِ إذَا نَوَاهُمَا؟ عَلى وَجْهَيْنِ, وَاخْتِيَارُ صَاحِبُ المُغْنِي الإِجْزَاءَ وَخَالفَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الهِدَايَةِ.
ومنها: لوْ طَافَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ وَالوَدَاعَ، فَقَال الخِرَقِيِّ فِي شَرْحِ المُخْتَصَرِ وَصَاحِبُ المُغْنِي فِي كِتَابِ الصَّلاةِ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا. وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ خِلافٌ مِنْ المَسْأَلةِ التِي بَعْدَهَا.
ومنها: لوْ أَدْرَكَ الإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا تَكْبِيرَتي الإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ فَهَل يُجْزِئُهُ؟ عَلى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا أَبُو الخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَ القَاضِي عَدَمَ الإِجْزَاءِ للتَّشْرِيكِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَغَيْرِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَعَطَسَ فَقَال رَبَّنَا وَلك الحَمْدُ يَنْوِي بِهِ الوَاجِبَ وَسُنَّةَ الحَمْدِ للعَاطِسِ أَنْ لا يُجْزِئَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ شَاقِلا الإِجْزَاءَ وَشَبَّهَهُ بِمَنْ أَخْرَجَ فِي الفُطْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ وَلا يَصِحُّ هَذَا التَّشْبِيهُ. وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ قَال: إنْ قُلنَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ سُنَّةٌ أَجْزَأَتْهُ وَحَصَلتْ السُّنَّةُ بِالنِّيَّةِ تَبَعًا للوَاجِبِ، وَإِنْ قُلنَا وَاجِبَةٌ لمْ يَصِحَّ التَّشْرِيكُ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَهَذِهِ المَسْأَلةُ تَدُل عَلى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَال القِيَامِ خِلافَ مَا يَقُولهُ المُتَأَخِّرُونَ.