وَمِنْهَا: إذَا انْهَدَمَ السَّقْفُ الذِي بَيْنَ سُفْل أَحَدِهِمَا وَعُلوِّ الآخَرِ فَذَكَرَ الأَصْحَابُ فِي الإِجْبَارِ الرِّوَايَتَيْنِ وَالمَنْصُوصُ هَهُنَا أَنَّهُ إنْ انْكَسَرَ خَشَبُهُ فِيهِ فَبِنَاؤُهُمَا بَيْنَهُمَا لأَنَّ المَنْفَعَةَ لهُمَا جَمِيعًا وَظَاهِرُهُ الإِجْبَارُ وَإِنْ انْهَدَمَ السَّقْفُ وَالحِيطَانُ لمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ العُلوِّ عَلى بِنَاءِ الحِيطَانِ لأَنَّهَا خَاصٌّ مِلكُ صَاحِبِ السُّفْل وَلكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلى أَنْ يَبْنِيَ مَعَهُ السَّقْفَ فَإِنْ لمْ يَفْعَل أَشْهَدَ عَليْهِ وَمَنَعَهُ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ حَقَّهُ وَيُجْبَرُ صَاحِبُ السُّفْل عَلى بِنَائِهِ لأَنَّهُ سُتْرَةٌ لهُ نَقَل ذَلكَ عَنْهُ أَبُو طَالبٍ.
وَنَقَل عَنْهُ ابْنُ الحَكَمِ أَنَّ صَاحِبَ السُّفْل لا يُجْبَرُ عَلى بِنَاءٍ لأَجْل صَاحِبِ العُلوِّ لكِنَّ صَاحِبَ العُلوِّ لهُ أَنْ يَبْنِيَ الحِيطَانَ ويسقف عَليْهَا وَيَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْل مِنْ الانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا بَنَى بِهِ السُّفْل وَيَكُونُ لهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا يَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا بَنَى بِهِ الحِيطَانَ فَيَصِيرُ البَيْتُ كَمَا كَانَ لأَحَدِهِمَا سُفْلهُ وَللآخَرِ عُلوُّهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ قِيمَةِ بِنَاءِ السُّفْل وَتَكُونَ الحِيطَانُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا.
وَلذَلكَ حَكَى الأَصْحَابُ رِوَايَتَيْنِ فِي مُشَارَكَةِ صَاحِبِ العُلوِّ لصَاحِبِ السُّفْل فِي بِنَاءِ الحِيطَانِ حَتَّى أَخَذَ القَاضِي مِنْهُمَا رِوَايَةً بِعَدَمِ الإِجْبَارِ فِي الحَائِطِ المُشْتَرَكِ وَهُوَ بَعِيدٌ لأَنَّ هَذَا المَعْنَى لوْ كَانَ صَحِيحًا لكَانَ الاشْتِرَاكُ حَادِثًا بَعْدَ البِنَاءِ , فَلا يَلحَقُ بِهِ المِلكُ المُشْتَرَكِ قَبْل البِنَاءِ وَحَكَى القَاضِي فِي خِلافِهِ فِي إجْبَارِ صَاحِبِ السُّفْل عَلى بِنَاءِ حَائِطِهِ لحَقِّ صَاحِبِ العُلوِّ ثَلاثَ رِوَايَاتٍ:
أَحَدُهَا: إجْبَارُهُ مُنْفَرِدًا بِنَفَقَتِهِ وَأَخَذَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالبٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لأَنَّ أَحْمَدَ عَلل بِأَنَّهُ سُتْرَةٌ لهُ فَعَلمَ أَنَّ إجْبَارَهُ لحَقِّ جَارِهِ لا لحَقِّ صَاحِبِ العُلوِّ وَلكِنْ قَدْ يُقَال إنَّ تَضَرُّرَ صَاحِبِ العُلوِّ بِتَرْكِ بِنَاءِ السُّفْل أَشَدُّ مِنْ تَضَرُّرِ الجَارِ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ لأَنَّ هَذَا يَمْنَعُهُ حَقَّهُ بِالكُليَّةِ بِخِلافِ تَرْكِ السُّتْرَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ المَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
وَالثَّانِيَة: يُجْبَرُ عَلى الاتِّفَاقِ عَلى وَجْهِ الاشْتِرَاك نَقَلهَا يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ فَقَال يَشْتَرِكُونَ عَلى السُّفْل وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
الثَّالثَةُ: لا يُجْبَرُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الحَكَمِ وَحَكَى فِي المُجَرَّدِ إجْبَارَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلى أَنْ يَبْنِيَ مَعَ الآخَرِ الحِيطَانَ رِوَايَتَانِ وَكَذَا فِي الإِجْبَارِ عَلى بِنَاءِ السَّقْفِ الذِي يَخْتَصُّ بِمِلكِ صَاحِبِ العُلوِّ وَحَاصِل هَذَا يَرْجِعُ إلى أَنَّهُ هَل يَلزَمُ الإِنْسَانُ بِنَاءَ مِلكِهِ الخَاصِّ بِهِ إذَا كَانَ انْتِفَاعُ غَيْرِهِ بِهِ مُسْتَحَقًّا كَمَا يَلزَمُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ بِبِنَاءِ السُّتْرَةِ؟ وَهَل يَلزَمُ الشَّرِيكَ فِي الانْتِفَاعِ بالبِنَاءُ مَعَ المَالكِ كَالشَّرِيكِ فِي المِلكِ وَعَلى هَذَا يُخَرَّجُ إذَا كَانَ لهُ عَلى حَائِطِ جَارٍ لهُ يُحَاذِيهِ سَابَاطٌ بِحَقٍّ فَانْهَدَمَ الحَائِطُ هَل يُجْبَرُ المَالكُ عَلى بِنَائِهِ؟ وَظَاهِرُ كَلامِ القَاضِي فِي خِلافِهِ إجْبَارُهُ أَنْ يَبْنِيَهُ مُنْفَرِدًا بِهِ بِغَيْرِ خِلافٍ وَلعَل هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ بِحَقِّ مُعَاوَضَةٍ.