يَأْخُذُهُ مَنْسُوبًا مِنْ الثَّمَنِ وَاخْتَلفَ الأَصْحَابُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول هُوَ فَسْخٌ للعَقْدِ فِي مِقْدَارِ العَيْبِ وَرُجُوعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ , وَعَلى هَذَا فَالفَسْخُ وَرَدَ عَلى مَعْدُومٍ مُسْتَحَقِّ التَّسْليمِ وَهَذَا فِي المُشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلمِ ظَاهِرًا لأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ سَليمًا فَأَمَّا فِي المُعَيَّنِ فَلمْ يَقَعْ العَقْدُ عَلى غَيْرِ عَيْنِهِ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الأَرْشُ فَسْخًا إلا أَنْ يقال: إطْلاقُ العَقْدِ عَلى العَيْنِ يَقْتَضِي سَلامَتَهَا وَكَأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ السَّلامَةِ وَقَدْ فَاتَتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: بَل هُوَ عِوَضٌ عَنْ الجُزْءِ الفَائِتِ.
وَعَلى هَذَا فَهَل هُوَ عِوَضٌ عَنْ الجُزْءِ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ قِيمَتِهِ؟ ذَهَبَ القَاضِي فِي خِلافِهِ إلى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ القِيمَةِ وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَابْنُ المُنَى إلى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ العَيْنِ عَنْهَا بِمَا شَاءَ.
وَإِنْ قُلنَا: القِيمَةَ لمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَال هُوَ إسْقَاطٌ لجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلةِ الجُزْءِ الفَائِتِ الذِي تَعَذَّرَ تَسْليمُهُ لا عَلى وَجْهِ الفَسْخِ لأَنَّ الفَسْخَ لا يُقَابِل الفَائِتَةَ وَيَنْبَنِي عَلى ذَلكَ جَوَازُ المُصَالحَةِ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ , فَإِنْ قُلنَا المَضْمُونُ العَيْنُ فَلهُ المُصَالحَةُ الصِّحَّةُ وَالسَّلامَةُ وَإِنَّمَا يُقَابِل الأَجْزَاءَ المُشَاعَةَ فَإِذَا عَقَدَ عَلى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ وَفَاتَ بَعْضُ صِفَاتِهَا رَجَعَ بِمَا قَابَلهُ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَال الثَّلاثَةِ قَالهُ القَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلافِهِ.
وَيَنْبَنِي عَلى الخِلافِ فِي أَنَّ الأَرْشَ فَسْخٌ أَوْ إسْقَاطٌ لجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ مُعَاوَضَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَسْخًا أَوْ إسْقَاطًا لمْ يَرْجِعْ إلا بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَسْتَحِقُّ جُزْءًا مِنْ عَيْنِ الثَّمَنِ مَعَ بَقَائِهِ بِخِلافِ مَا إذَا قُلنَا هُوَ مُعَاوَضَةٌ وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَ المُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِعِوَضٍ بَذَلهُ لهُ البَائِعُ وَقَبِلهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَليْهِ وَليْسَ مِنْ الأَرْشِ فِي شَيْءٍ ذَكَرَهُ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الشُّفْعَةِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلى مِثْلهِ فِي النِّكَاحِ فِي خِيَارِ المُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ.
وَمِنْهَا: إذَا تَلفَتْ العَيْنُ المَعِيبَةُ كُلهَا فَهَل يَمْلكُ المُشْتَرِي الفَسْخَ وَرَدِّ بَدَلهَا أَمْ لا؟ الذِي عَليْهِ الأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لا يَمْلكُ ذَلكَ وَأَشَارَ إليْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ قَالوا: لأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي مَرْدُودًا وَلا مَرْدُودَ إلا مَعَ بَقَاءِ العَيْنِ وَظُلامَتُهُ تُسْتَدْرَكُ بِالأَرْشِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لأَنَّ البَدَل يَقُومُ مَقَامَ العَيْنِ وَخَرَّجَ القَاضِي فِي خِلافِهِ جَوَازَ ذَلكَ مِنْ رَدِّ المُشْتَرِي أَرْشَ العَيْبِ الحَادِثِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ أَنَّهُ قِيَاسُ المَذْهَبِ وَتَابَعَهُ عَليْهِ أَبُو الخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ , وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الفُصُول مِنْ غَيْرِ خِلافٍ حَكَاهُ.
وَمِنْهَا: إذَا اشْتَرَى رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ فَبَانَ مَعِيبًا ثُمَّ تَلفَ قَبْل رَدِّهِ فَإِنَّهُ يَمْلكُ الفَسْخَ وَيَرُدُّ بَدَلهُ وَيَأْخُذُ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ لهُ أَخْذُ الأَرْشِ عَلى الصَّحِيحِ بِمَحْذُورِ الرِّبَا فَتَعَيَّنَ الفَسْخُ.