وَخَصَّ كَثِيرٌ مِنْ الأَصْحَابِ كَالقَاضِي وَغَيْرِهِ الحُكْمَ بِالنَّاسِي وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ العَامِدَ بِخِلافِهِ وَهُوَ مُتَخَرَّجٌ عَلى الخِلافِ السَّابِقِ فِي كَوْنِهِ مَعْصِيَةً , وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ لأَنَّ مُبَاشَرَةَ الفِعْل إنَّمَا جَازَتْ ضَرُورَةً اِلخُرُوجِ مِنْهُ وَالمُحْرِمُ لا ضَرُورَةَ لهُ بِالغَسْل بِيَدِهِ , فَلمَّا أَذِنَ الشَّارِعُ فِيهِ دَل عَلى أَنَّ مُبَاشَرَةَ الطِّيبِ لقَصْدِ إزَالتِهِ وَمُعَالجَتِهِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ.
وَمِنْهَا: إذَا تَعَمَّدَ المَأْمُومُ سَبْقَ إمَامِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَقُلنَا لا تَبْطُل صَلاتُهُ بِمُجَرَّدِ تَعَمُّدِ السَّبْقِ , فَهَل يَجِبُ عَليْهِ العَوْدُ إلى مُتَابَعَتِهِ للإِمَامِ أَمْ لا؟ أَطْلقَ كَثِيرٌ مِنْ الأَصْحَابِ وُجُوبَ العَوْدِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقِ بين العَامِدِ وَغَيْرِهِ , كَمَا وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ عَنْ الصَّحَابَةِ: عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَفَرَّقَ صَاحِبُ المُحَرَّرِ بَيْنَ العَامِدِ وَغَيْرِهِ وَقَال: مَتَى عَادَ العَامِدُ بَطَلتْ صَلاتُهُ لأَنَّهُ قَدْ تَعَمَّدَ زِيَادَةَ رُكْنٍ كَامِلٍ عَمْدًا وَإِنَّمَا يَعُودُ السَّاهِي وَالجَاهِل.
وَقَدْ يُقَال إنَّ عَوْدَ العَامِدِ يَتَخَرَّجُ عَلى أَنَّ العَوْدَ إنَّمَا هُوَ قَطْعٌ للفِعْل المَنْهِيِّ عَنْهُ الذِي ارْتَكَبَهُ وَرَجَعَ عَنْهُ إلى مُتَابَعَةِ الإِمَامِ الوَاجِبَةِ فَلا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ بَل مَأْمُورًا بِهِ كَالخُرُوجِ مِنْ الدَّارِ المَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهَا عَلى مَا سَبَقَ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وَضْعُ الأَعْضَاءِ المَخْصُوصَةِ عَلى الأَرْضِ فَإِذَا زِيدَ هَذَا المِقْدَارُ عَمْدًا بَطَلتْ بِهِ الصَّلاةُ وَأَمَّا الهُوَى إليْهِ وَالرَّفْعُ مِنْهُ فَليْسَا مِنْ مَاهِيَّتِهِ وَإِنَّمَا هُمَا حَدَّانِ لهُ فَلا أَثَرَ لنِيَّةِ قَطْعِهِا بِالرَّفْعِ فَإِنَّ الرَّفْعَ ليْسَ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ غَايَةٌ لهُ وَفَصْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَمَا مَضَى مِنْهُ وَوُجِدَ لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ , وَهُوَ سُجُودٌ تَامٌّ فَتَبْطُل الصَّلاةُ بِزِيَادَتِهِ عَمْدًا , وَهَذَا قَدْ يَلزَمُ مِنْهُ أَنَّ السَّبْقَ للرُّكْنِ عَمْدًا يُبْطِل الصَّلاةَ وَقَدْ قِيل إنَّهُ المَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَيُقَال لمَّا لحِقَهُ الإِمَامُ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ فِيهِ اُكْتُفِيَ بِذَلكَ فِي المُتَابَعَةِ.