الصفحة 50 من 91

8 -العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، قال [1] في تفسير قوله تعالى:"و لا يشرك في حكمه أحدا"الكهف [26] ،: ما تضمّنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين ـ و قال قبل ذلك - [و حكمه جلا وعلا في الآية شامل لكلّ ما يقتضيه جل و علا، و يدخل في ذلك التشريع دخولا أوّليا] جاء مبينا في آيات أخر: كقوله تعالى:"إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلا ّ إلاّ إياه"يوسف [40] ، و قوله:"و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله"الشورى [10] و قوله:"ذالكم بأنّه إذا دعي الله وحده كفرتم و إن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العليّ الكبير"غافر [12] .

و قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما و هو الّذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلا"الأنعام [114] إلى غير ذلك من الآيات."

و يفهم من هذه الآيات كقوله:"و لا يشرك في حكمه أحدا"أن متّبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنّهم مشركون، و هذا المفهوم جاء مبيّنا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة أنّها ذبيحة الله:"و لا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه و إنّه لفسق و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم و إن أطعتمومهم إنّكم لمشركون"الأنعام [112] ، فصرح بأنّهم مشركون بطاعتهم، و هذا الإشراك في الطاعة و إتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى:"ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين، و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم"يس [60 - 61] .

.و بهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أنّ الّذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل و علا على ألسنّة رسله صلى الله عليهم وسلم أنّه لا يشك في كفرهم و شركهم إلاّ من طمس الله بصيرته و أعماه عن نور الوحي مثلهم ـ إهـ

9 -الشيخ ابن العثيمين رحمه الله تعالى، قال [2] رحمه الله تعالى مبيّنا سبب هذا الكفر: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارا له أو اعتقادا أنّ غيره أصلح منه و أنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا من الملّة، و من هؤلاء من يصنعون للنّاس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجا يسير النّاس عليه، فإنّهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلاّ و هم يعتقدون أنّها أصلح و أنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية و الجبلة الفطرية أنّ الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلاّ و هو يعتقد فضل ما عدل إليه و نقص ما عدل عنه. إنتهى.

وقال [3] رحمه الله تعالى: ونرى فرقا بين شخص يضع قانونا يخالف الشريعة ليحكم النّاس به، و شخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، لأنّ من وضع قانونا ليسير النّاس عليه و هو يعلم

(1) - أضواء البيان [4/ 65ـ66 بتصرف]

(2) - مجموع فتاوى و رسائل ابن عثيمين [2/ 143]

(3) - لقاء مفتوح [26 ص 32 - 33]

و للشيخ إبن عثيمين فتوى أخرى في مجموع فتاوى ورسائل المجلد الثاني، الكفر والتكفير رقم 229: الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله، و لا تجب محاربته من اجل ذلك، بل و لا تجوز إلاّ أن يصل إلى حدّ الكفر فحينئذ تجب منابذته، و ليس له طاعة على المسلمين، و الحكم بغير ما في كتاب الله و سنة رسول الله يصل إلى حدّ الكفر بشرطين: الأوّل: أن يكون عالما بحكم الله و رسوله، فإن كان جاهلا لم يكفر بمخالفته.

الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله إعتقاد أنّه حكم غير صالح للوقت و أنّ غيره أصلح منه، و انفع للعباد، و بهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا مخرجا من الملّة لقول الله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون"، و تبطل ولاية الحاكم و لا يكون له طاعة على الناس، و تجب محاربته و إبعاده عن الحكم. إنتهى

فما يجب فهمه من كلام الشيخ إبن عثيمين أنّ كلامه الأخير يجب أن يُفهم على ضوء كلامه السابق و الموافق لكلام السلف، فأوّلا هو لا يَعدّ كلّ حكم مخالف للكتاب و السنّة من قبيل الكفر و هذا صواب، إذ قرّرنا سابقا أنّ الحكم بغير ما أنزل الله ليس له حكم واحد، بخلاف القوانين الوضعية، و هذا مطابق لما نقلته آنفا عن الشيخ إبن عثيمين، حيث قال: و نرى فرقا بين شخص يضع قانونا يخالف الشريعة ليحكم النّاس به، و شخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله.

فمن حكم في مسألة معيّنة بخلاف حكم الله، قال: و لكن من حكم في مسألة معينة يعلم فيها حكم الله و لكن لهوى في نفسه، فهذا ظالم فاسق و كفره و إن وصف بالكفر كفر دون كفر. إنتهى

و تكفير هذا المعيّن يلزم منه توفر الشرطين المذكورين آنفا

أمّا من شرّع القوانين، فيدخل في قوله: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله إعتقاد أنّه حكم غير صالح للوقت و أنّ غيره أصلح. إنتهى، و هذا ما بيّنه في كلامه السابق حيث قال: اعتقاد أنّ غيره أصلح منه و أنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا من الملّة، و من هؤلاء من يصنعون للنّاس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجا يسير النّاس عليه، فإنّهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلاّ و هم يعتقدون أنّها أصلح و أنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية و الجبلة الفطرية أنّ الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلاّ و هو يعتقد فضل ما عدل إليه و نقص ما عدل عنه ـ إه ـ.

و من هنا نلاحظ أنّ كلام الشيخ إبن عثيمين متوافق و غير متناقض على الأقل فيما توصّلت إليه من خلال هذا الجمع. و الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت