و الأسباب على نوعين من حيث الإجمال و من حيث التفصيل، و من أفضل من نقف معهم في عرض أهمّ هذه الأسباب هم أئمّة الهدى و أهل التجربة في الدعوة، و من بين هؤلاء الأعلام شيخ الإسلام إبن تيمية، و تلميذه إبن القيّم الجوزية رحمهما الله تعالى.
الأسباب من حيث الإجمال:
قال [1] شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله مبيّنا أسباب الإختلاف المذموم: يكون سببه تارة فساد النيّة لما في النفوس من البغي و الحسد، وإرادة العلو في الأرض بالفساد، و نحو ذلك، فيحبّ لذلك ذمّ قول غيره أو فعله، أو غلبته ليتميّز عليه، أو يحبّ قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة، و نحو ذلك، لما في قيام قوله من حصول الشرف و الرئاسة له، و ما أكثر هذا في بني آدم، و هذا ظلم.
و يكون سببه تارة أخرى جهل المختلفين بحقيقة الأمر الّذي يتنازع فيه، أو الجهل بالدليل الّذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحقّ: في الحكم أو في الدليل، و إن كان عالما بما مع في نفسه من الحق حكما و دليلا و الجهل و الظلم هما أصل كلّ شرّ، كما قال سبحانه:"و حملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا". إنتهى
أمّا من حيث التفصيل:
قال [2] الإمام إبن القيّم رحمه الله تعالى، و هو يبيّن موانع إنقياد العبد للحق:
و تفصيل هذه الجملة أنّ العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد و لذاته و سروره، قد يتخلّف عنه عمله بمقتضاه لأسباب عديدة:
• السبب الأوّل: ضعف معرفته بذلك (أي بذلك العلم) .
• السبب الثاني: عدم الأهلية، و قد تكون معرفته به تامّة، لكن يكون مشروطا بزكاة المحل، و قبوله للتزكية، فإذا كان المحل غير زكي و لا قابل للتزكية، كان كالأرض الصلدة الّتي لا يخالطها الماء، فإنّه يمتنع النبات منها لعدم أهليتها و قبولها، فإذا كان القلب قاسيا حجريا لا يقبل تزكية، و لا تؤثر فيه النصائح، لم ينتفع بكلّ علم يعلمه، كما لا تنبت الأرض الصلبة و لو أصابها كلّ مطر، و بذر فيها كلّ بذر، كما قال تعالى:"إنّ الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون و لو جاءتهم كلّ ءاية حتّى"
(1) - إقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص: 37)
(2) - مفتاح دار السعادة (1/ 179 - 183) بتصرف يسير.