يروا العذاب الأليم" [1] .. فإذا كان القلب قاسيا غليظا جافيا، لا يعمل فيه العلم شيئا، و كذلك إذا كان مريضا مهينا مائيا لا صلابة فيه و لا قوّة و لا عزيمة، لم يؤثر فيه العلم."
• السبب الثالث: قيام مانع، و هو إمّا حسد أو كبر، وذلك مانع إبليس من الإنقياد للأمر، و هو داء الأوّلين و الآخرين إلاّ من عصم الله، و به تخلّف الإيمان عن اليهود الّذين شاهدوا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم، و عرفوا صحّة نبوّته، و من جرى مجراهم ..
• السبب الرّابع: مانع الرياسة و الملك، و إن لم يقم بصاحبه حسد و لا تكبر عن الإنقياد للحقّ، لكن لا يمكنه أن يجتمع له الإنقياد و ملكه و رياسته، كحال هرقل و أضرابه من ملوك الكفار الّذين علموا نبوّته و صدقه، و أقرّوا بها باطنا، و أحبّوا الدخول في دينه، لكن خافوا على ملكهم، و هذا داء أرباب الملك و الولاية و الرياسة، و قلّ من نجا منه إلاّ من عصم الله ..
• السبب الخامس: مانع الشهوة و المال، و هو الّذي منع كثيرا من أهل الكتاب من الإيمان، خوفا من بطلان مأكلهم و أموالهم الّتي تصير إليهم من قومهم، و قد كانت قريش يصدّون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته، فيدخلون عليه منها ..
• السبب السادس: محبة الأهل و الأقارب والعشيرة، يرى أنّه إذا إتّبع الحق، و خالفهم، أبعدوه و طردوه و اخرجوه من بين أظهرهم، و هذا سبب بقاء خلق كثير على الكفر بين قومهم و أهاليهم و عشائرهم.
• السبب السابع: محبة الدّار و الوطن، و إن لم يكن له به عشيرة و لا أقارب لكن يرى أنّ في متابعة رسول الله عليه الصّلة و السّلام خروجه عن داره و وطنه إلى دار الغربة و النوى، فيضِن بوطنه.
• السبب الثامن: تخيّل أنّ في الإسلام و متابعته الرسول إزراء و طعنا منه على آبائه و اجداده، و ذمّا لهم، و هذا هو الّذي منع أبا طالب و أمثاله عن الإسلام ..
• السبب التاسع: متابعة من يعاديه من الناس للرسول، و سبقه إلى الدخول في دينه، و هذا القدر منع كثيرا من إتّباع الهدى، يكون للرجل عدوّ و يبغض مكانه و يقصد مخالفته و مناقضته، فيراه قد إتّبع الحق، فيحمله قصدُ مناقضته و معاداته على معاداة الحق و اهله، و إن كان لا عداوة بينه و بينهم ..
• السبب العاشر: مانع الإلف و العادة و المنشأ، فإنّ العادة قد تقوى حتّى تغلب حكم الطبيعة، و لهذا قيل: هي طبيعة ثانية، فيتربّى الرجل على المقالة، و ينشأ عليها صغيرا، فيتربّى قلبه و نفسه عليها كما يتربّى لحمه و عظمه على الغذاء المعتاد، و لا يعقل نفسه إلاّ عليها، ثمّ يأتيه العلم وهلة واحدة، يريد إزالتها و إخراجها من قلبه، فيعسر عليه الإنتقال، و هذا السبب و إن كان أضعف الأسباب معنى، فهو أغلبها على الأمم و أرباب المقالات و النحل. إنتهى
هذه أهمّ موانع إنقياد المرء للحقّ، و بعد هذا التوضيح، نقف مرّة أخرى مع الإمام إبن القيّم لكن هذه المرّة ليبيّن لنا أصناف أهل الأهواء الّذين حالت بعض الأسباب المذكورة آنفا عن قبولهم الحق و الإنقياد له.
(1) - يونس (97 - 98)