الدارس للفقه الإسلامي و تاريخه يجد أنّ الإقتتال الّذي يديره المسلمون أنواع، فمنه ما هو بين المسلمين، و منه ما هو بين المسلمين و الكفار، و كلّ من هذه الأنواع أقسام، و الّذي يهمّنا في هذه الفقرة قتال الكفار، و هذا القتال قسمان كما نصّ على ذلك علماء السلف، فمنه جهاد الطلب، و منه جهاد الدفع و الضابط بينهما، أنّ جهاد الطلب هو طلب العدو، و جهاد الدّفع هو دفع العدو، و عليه فيفترق جهاد الطلب عن جهاد الدفع أن يكون في الأوّل العدوّ مطلوب و في الثاني العدوّ طالب، و على هذا فرّق العلماء بين الجهادين من حيث الشروط. [1] و ما يهمّنا في هذا البحث هو ما يخصّ زماننا أقصد جهاد دفع العدوّ عن أرضنا. ... حكم جهاد الدّفع: إتّفق العلماء أنّ جهاد دفع العدوّ عن أرضنا إذا إحتلّها هو فرض عينيّ، و من الأدلّة الدّالة على هذا: قال الله تعالى:"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ". البقرة، وقول الله تعالى:"فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ".البقرة
أقوال العلماء على حسب مذاهبهم:
1 -مذهب الأحناف: قال [2] الإمام الكاساني رحمه الله تعالى: فأمّا إذا عمّ النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يُفترض على كلّ واحد من آحاد المسلمين ممّن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى:"انفروا خفافًا وثقالًا". إنتهى
2 -مذهب المالكية: قال [3] الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: فرض عام متعين على كلّ أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا وشبابًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج مقل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوّهم وكان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا - قلوا أو كثروا - على حسب مالزم أهل تلك البلدة حتّى يعلموا أنّ فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كلّ من علم بضعفهم عن عدوّهم وعلم أنّه يدركهم ويمكنه غياثهم، لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلّهم يد على من سواهم، حتّى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية الّتي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضًا الخروج. إنتهى
3 -مذهب الشافعية: قال الإمام النّووي في كتابه المنهاج: يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن فإن أمكن تأهب لقتال وجب الممكن حتّى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن، وقيل إن حصلت مقاومة بأحرار اشترط إذن سيده، وإلاّ فمن قصد دفع عن نفسه بالممكن إن علم أنّه إن أخذ
(1) - و لله الحمد و المنّة كنتُ قد جمعتُ مسائل كثيرة فيما يتعلّق بمسألة الجهاد في بحث، و سمّيته: فقه الجهاد.
(2) - بدائع الصنائع 7/ 97
(3) - الكافي 1/ 205