بعدما تعرّفنا على المقصودين بهذه التّهمة، نسأل: لماذا التيار السلفيّ يُتهم بأنّه تيار تكفيريّ؟
و الأسباب عند التّأمّل تنقسم إلى قسمين، من حيث الإجمال و من حيث التفصيل
-/ أمّا من حيث الإجمال:
فالمتتبع لكتب العقائد يلحظ أنّ هذه التهمة أُلصقت بكلّ من أدخل الأعمال في مسمّى الإيمان، من طرف مدرسة أخرجت الأعمال عن مسمّى الإيمان و أقصد المدرسة الأشعرية و الكلابية، من هؤلاء: الكمال بن الهمام [1] ، و اللّقاني [2] ، و محي الدّين عبد الحميد [3] ، و غيرهم، فهؤلاء سوّوا بين عقيدة أهل السنة من جهة و بين المعتزلة و الخوارج من جهة أخرى، إذ كلّهم يُدخلون الأعمال في مسمّى الإيمان، إلاّ أنّهم تغافلوا عن الفوارق الجوهرية بين مدرسة أهل السنة من جهة و بين مدرستي المعتزلة و الخوارج من جهة أخرى؛ فأهل السنة و إن جعلوا الأعمال من مسمّى الإيمان إلاّ أنّهم فرّقوا بين آحاده، فجعلوا من الأعمال ما هو شرط صحّة في الإيمان، و منها ما هو شرط كمال الواجب في الإيمان، و منها ما هو شرط كمال المستحب في الإيمان، بخلاف المعتزلة و الخوراج الّذين جعلوا كلّ الأعمال هي من شرط صحّة في الإيمان.
هذا من جهة، و من جهة أخرى أنّ أهل السنة جعلوا الإيمان يتبعض أي يزيد و ينقص، بخلاف المعتزلة و الخوراج الّذين جعلوا الإيمان شيء واحد إذا زال بعضه زال كلّه موافقين بذلك قول المرجئة.
كلّ هذا تغافل عنه المخالفون، فلا غرابة بعد ذلك أن تسمع هذه التمتمات و هذه التهم على أهل السنة ممّن صاروا يُعرفون اليوم بمرجئة العصر، حيث وافقوا أسلافهم في المعتقد، كما وافقوهم في رميهم بهذا اللقب لمخالفيهم.
هذا من حيث الإجمال [4] .
-أمّا من حيث التفصيل: حتّى نقف مع أهمّ المسائل الّتي من اجلها صار هذا اللقب، لابدّ من إدراك بعض الحقائق العلمية.
(1) - المسايرة على المسامرة
(2) - إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد
(3) - في تحقيقه إتحاف المريد
(4) - و لله الحمد كنتُ قد فصّلتُ مباحث الإيمان في رسالة بعنوان:"رسالة الإيمان و الكفر"، يسّر الله طبعها.