إنّ أعظم ما يُمارسه أهل الأهواء ضدّ أهل الحق بعد قيام حجة أهل الحق عليهم، الإفتراء، و إفتراء أهل الباطل ضدّ أهل الحقّ قديم، و في بابنا الفرية المعروفة هي أنّ هؤلاء المقصودون من التجريح و التشهير يكفّرون الأمّة، و يكفرون كلّ من خالفهم، و هذه الفرية أطلقت على كلّ من تصدّى للباطل و صدع بالحق، و من هؤلاء:
• الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، فلمّا وقف ضدّ مبتدعة زمانه لم يجدوا حيلة إلاّ الإفتراء عليه بالبهتان، و من هذه الفرى، أنّه يكفّر عموم الناس.
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الخلاّل في كتاب السُنّة قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: بلغني أنَّ أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب فيعيبون قولنا (أي القول بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق) ، ويدّعون أنَّ هذا القول: أنَّه لا يُقال مخلوق وغير مخلوق، ويعيبون من يكفّر، ويقولون إنّا نقول بقول الخوارج، ثم تبسّم أبو عبد الله كالمغتاظ؛ ثمّ قال: هؤلاء قوم سوء.
• شيخ الإسلام إبن تيمية حيث إفترى عليه المبطلون لمّا ألّف رسالته القيّمة العقيدة الواسطية، فقالوا عنه أنّه حكم من لم يعتقد عقيدته أنّه من الهالكين.
قال [1] شيخ الإسلام: قولنا: و من أصول الفرقة الناجية: أنّ الإيمان و الدّين قول و عمل، يزيد و ينقص، قول القلب و اللسان، و عمل القلب و الجوارح.
قالوا: فإذا قيل: إنّ هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلّمين، الّذين يقولون: إنّ الإيمان هو التصديق، و من يقول: إنّ الإيمان هو التصديق و الإقرار، و إذا لم يكونوا من الناجين، لزم أن يكونوا هالكين. إنتهى
هكذا دائما يحكمون على الغير بإستلزامات إستلزموها هم، و معروف أنّ لازم القول ليس بقول ما لم يقرّه المعنيّ بالأمر.
قال [2] الإمام الشافعي رحمه الله: من نسب إلى الساكت قولا فقد كذب عليه. إنتهى
بل هكذا يُتهمّ أهل الحق بلوازم أقوالهم أو أفعالهم.
قال [3] شيخ الإسلام: لازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبا، بل أكثر النّاس يقولون أقوالا و لا يلتزمون لوازمها. إنتهى
(1) - مجموع الفتاوى (2/ 3 / 115)
(2) - بواسطة الحاوي الكبير (1/ 26)
(3) - مجموع الفتاوى 6/ 460