الصفحة 48 من 91

إنّ المسلمين لم يبلوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلاّ في ذلك العهد عهد التتار، و كان من أسوأ عهود الظلم و الظلام، و مع هذا فإنّهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثمّ مزجهم فأدخلهم في شرعته، و زال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم و شريعتهم، و أنّ هذا الحكم السيء الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمّة الإسلامية المحكومة، و لم يتعلّموه، و لم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره.

أفرأيتم هذا الوصف القويّ من الحافظ ابن كثير ـ في القرن الثامن ـ لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدوّ الإسلام جنكزخان؟، ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرّابع عشر إلاّ في فرق واحد أشرنا إليه آنفا، أنّ ذلك كان في طبقة خاصّة من الحكام أتى عليها الزمان سريعا فاندمجت في الأمّة الإسلامية، و زال أثر ما صنعت ثمّ كان المسلمون الآن أسوأ حالا و أشدّ ظلما و ظلاما منهم، لأنّ أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة و التّي هي أشبه شيء بذلك الياسق الّذي إصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر.

هذه القوانين الّتي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام ثمّ يتعلّمها أبناء المسلمين، و يفخرون بذلك آباء و أبناء، ثمّ يجعلون مردّ أمرهم إلى معتنقي هذا الياسق العصري، و يحقرون من يخالفهم في ذلك، و يسمّون من يدعوهم إلى الإستمساك بدينهم و شريعتهم رجعيّا و جامدا، إلى أمثال ذلك من الألفاظ البذيئة.

بل إنّهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى ياسقهم الجديد بالهوينى و اللين تارة، و بالمكر و الخديعة تارة، و بما ملكت أيديهم من السلطات تارات، و يصرّحون و لا يستحيون بأنّهم يعملون على فصل الدولة عن الدّين.

أفيجوز إذن مع هذا لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدّين الجديد أعني التشريع الجديد؟، أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا، و إعتناقه و إعتقاده و العمل به، عالما كان الأب أو جاهلا؟.

أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظلّ هذا الياسق العصري، و ان يعمل به و يعرض عن شريعته البيّنة؟ ما أظنّ أنّ رجلا مسلما يعرف دينه و يؤمن به جملة و تفصيلا، و يؤمن بأنّ القرآن أنزله الله على رسوله كتابا محكما، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و بأنّ طاعته و طاعة الرسول الّذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كلّ حال، ما أظنّه يستطيع إلاّ أن يُجرّم غير متردّد و لا متأوّل، بأنّ ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانا أصليّا لا يلحقه التصحيح و لا الإجازة، إنّ الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه، و لا مداورة و لا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ نفسه، و كلّ امرئ حسيب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت