إنّ إتّهام أهل الحق أنّهم يكفّرون كلّ من خالفهم لمجرد المخالفة هو إتّهام قديم كما رأيتَ، و لا ينبغي أن نُجري الخلاف في مجرّد التكفير لأنّه لا دين فضلا أن يكون دين الإسلام دون تكفير لمن يستحقّ التكفير لو كان الخصوم يعقلون، و نصوص الكتاب و السنّة حافلة بذلك، إنّما الخلاف ينبغي أن يكون محصورا في من ثبت أنّهم كُفّروا، هل هؤلاء المكفَّرين يستحقون أن يُحكموا بالتكفير أم لا؟، و طبعا لا بدّ أن يكون المرجع هو كتاب الله و سنة نبيّه عليه الصّلاة و السّلام و على فهم سلفنا الصالح، لا مجرّد عواطف و أمانيّ، هذا هو محكّ البحث لو كان الخصوم منصفون، أمّا الصياح بأنّ هؤلاء يُكفِّرون فهذه سذاجة و جهل.
و إنّ العدل و الإنصاف يلزمان المسلم فضلا عن العالم و الداعية: أنّه من يريد إتهام غيره أن يقيم على دعواه بيّنة، فالبيّنة على المدّعي و اليمين على من انكر، بأن يُظهر المصدر الّذي فيه كفّر المعنيون الأمّة سواء من كتاباتهم أو مسموعاتهم، لكن هيهات، هيهات أن يظفروا بهذا لأنّه بكلّ بساطة هذا الزعم هو محض إفتراء و بهتان، بل أزيد كلمة أنّ من يُتهمون بأنّهم يكفّرون الأمّة هم والله أحرص الناس على ضبط باب التكفير، و هم أكثر الناس ردّا على غلاة التكفير.
لا أعني انّه لا يوجد من يُكفر الأمّة بل فيه شرذمة ممّن وقع في هذا الغلو و الجهل المركب، لكن ليسوا ممّن نعنيهم بهذا الكتاب، بل هؤلاء الغلاة لم نجد من حاورهم في هذا العصر و ردّ على باطلهم و ردّ كثير منهم إلى جادّة الصواب إلاّ في الغالب من يُرمون بهتانا أنّهم يُكفّرون الأمّة، و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله.
و حتّى نذكّر الجميع أنّ الغلوّ في التكفير داخل جسم أهل السنة و الجماعة في العصر الحديث إنّما ظهر داخل التيار الإخوان المسلمين، و مع ذلك فإنّنا لا نُحمّل الإخوان أخطاء و جهل هذه الجماعة المتطرّفة، و طبعا أقصد جماعة الهجرة و التكفير، و سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
و الّذي يُحزن القلوب أكثر أنّ من الدعاة من سار على هذا الطريق المظلم من الإفتراء على الغير بدون تثبّت و لا بيّنة، حتّى ذهبوا إلى أكثر من ذلك هو إتّهام أهل الجهاد بهذه التهمة الباطلة، و هنا أحبّ أن أنقل كلمة طيّبة من رجل طيّب نحسبه شهيدا و الله حسيبه أقصد الشيخ أبو محمد يوسف العيري رحمه الله تعالى، فلمّا عاد الشيخ من الجهاد البوسني و بعد أحداث سبتمبر و سقوط دولة طالبان صار رحمه الله من المطلوبين لدى النظام السعودي بأمر من أمريكا، فلم يجدوا ما يتّهمون الشيخ به إلاّ هذه الفرية الرخيصة أقصد أنّه تكفيريّ، فكتب رسالة يوضّح فيها ما إفتراه عليه من لا يخشى الله عزّ في علاه، فقال [1] رحمه الله: ... كما أؤكد أيضًا على ما قاله أخي علي [2] في رسالته، بأنّنا لم نرفع راية الجهاد لنقتل المؤمنين، إن العقول السليمة تنفي هذه التهمة عنا فضلًا عن الأدلة الشرعية، إذ كيف
(1) - رسالة بعنوان: من يوسف العيري إلى عموم المسلمين، بتاريخ: 24/ 03 / 1424 هج، أي قبل وفاته رحمه الله تعالى بثمانية أيّام فقط.
(2) - يقصد الشيخ علي بن عبد الرحمن الغامدي رحمه الله تعالى، فهو كذلك إتّهم بنفس التّهمة لنفس السبب، حسبنا الله و نعم الوكيل.