وعند تزاحُم المصالح والمفاسد وتعارضِها يُطْلب الترجيحُ بينها بميزان الشريعة، وهو أمر موكول إلى أهل العلم الموثوقين فقهًا ووعيًا وورعًا.
وينبغي على الآمر الناهي أن يكون عليمًا حليمًا، رفيقًا حكيمًا، متدرجًا في الإنكار، حَسَنَ التأتي، بصيرًا بمآلات الأمور صبورًا.
قال الله تعالى: {يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ} [لقمان: 17] .
اعتبارات واقعية في ممارسة الاحتساب
ولا امتراءَ في أن الحاجة إلى التألُّف والمداراة اليوم أمسُّ، والإنكار على المنكرات الكبار أخصُّ، وأن ما يزول من المنكرات باللسان لا تجوز إزالته باليد، وما يزول بالتعريف لا يُزال بالتعنيف!
ويشترط في الإنكار باليد: أن يكون مقدورًا عليه، وعلى تحمُّل تبعاته، وألا يزول بيد فاعله، وألا يُفضي إلى فتنة، أو مفسدة، أو منكر أكبر.
ومهما تكن من عقبات في سبيل إقامة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن أهل الإيمان لا يتقاعسون عنه، ولا ينكُلُون عن القيام به.
قال الله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم} [محمد: 38] .
الفصل الثاني عشر
الجهاد في سبيل الله
فضل الجهاد، وغايته
الجهاد في سبيل الله فريضة ماضية، وصفقة رابحة في الدنيا والآخرة، وباب عظيم من أبواب النصر والتمكين في الدنيا، وهو من أعظم أبواب الجنة في الآخرة، صاحبُه كالصائم القائم القانت بآيات الله لا يَكلُّ، ولا يَملُّ، ولا ينقطع عنه الأجر.
والجهاد يتناول معناه العامُّ كلَّ جهدٍ يُبذَل، وكلَّ وُسْع يُستفرَغ لنصرة الدين؛ سواء أكان ذلك بالسيف والسنان، أم كان بالحجة والبيان.
ليس للجهاد من هدفٍ إلا إزالةُ العقبات التي تحول دون هداية الخلق إلى دين الحق، وتعبيد الإنسان للواحد الدَّيان، بإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، وإخلاء العالم من الفتنة والفساد، وما يتبع ذلك من رد اعتداء المعتدين، وتقوية دولة المسلمين، وحفظ دين ربِّ العالمين.
قال الله تعالى: {وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ} [الأنفال: 39] .
حكم الجهاد
والجهاد فرضُ كفايةٍ، وقد يتعين إذا عَيَّنَ الإمام شخصًا بعينه، أو إذا حضر القتال والتقى الصَّفَّان، ولاستنقاذ أسرى المسلمين، وإذا نزل العدو بلدًا من بلاد المسلمين فغلب عليه كما في فلسطين؛ فعندئذٍ قد تعيَّن الدفع على كل قادر حاضر من أهل تلك الديار، فإن عجزوا امتدَّ الوجوب إلى من يليهم من أهل الآفاق.
وتركُ الجهاد والتخاذل عنه طريق الهلكة والخسران، وسبب الذُّلِّ والهوان، ولحكمة بالغة كانت الحرب سجالًا بين أولياء الله وأعدائه؛ ليبتلي الله بعضهم ببعض، وليمحص قلوب المؤمنين، ويُظهر فضل المجاهدين الصادقين، ثم إن الجولة الحاسمة تكون لحزب الله المؤمنين، وجنده الصادقين.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ 171 إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ 172 وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171- 173] .
شروط الجهاد، وآدابه