فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 47

الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في موته فقال:"لا إله إلا الله إن للموت سكرات" [1] ، فهذه النصوص الشرعية صريحة في ذكر حضور الموت وحالة الموت وسكرات الموت، ولن أفيض في تفصيلات هذا الأمر وإنما أردت تقرير الأمر لنمضي على بينة إن شاء الله تعالى.

أما حين يصل المرض المزمن والمستعصي على أنواع العلاج المعروفة إلى حدٍ تتدهور فيه حالة الطفل وتبدأ عجلة ترقي المرض بالتسارع فإنك تجد الأبوين في حالةٍ شديدة قد يشوبها مزيج من القلق والشعور بالعجز أو الحيرة، فهم ما بين القيام بما يحتاجه طفلهم من تخفيف ألم أو شدة واحتمال حاجته لمداخلات علاجية لا تغيُّر من حقيقة المرض شيئًا - كأجهزة الإنعاش ونحوها- وبين مختلف آراء الأطباء والوازع الديني الذي يتحرى القرار الذي يرضي الله عز وجل، ولعمري إنها لحالةٌ شديدة، وإنه لمن الخطورة بمكان أن ندع الإجابة على هذه الأسئلة لفكرٍ غربيٍ وافد أو آراءٍ شخصية غير منضبطة بالدليل الشرعي.

ولسوف أحاول فيما يلي تناول بعض هذه المسائل الشائعة في صيغة سؤال وجواب عسى أن تكون عونًا للأهل في اتخاذ القرار الصحيح المناسب لطفلهم ضمن إطار الشريعة الغراء، وما توفيقي إلا بالله:

سؤال: هل يجوز أن أتمنى الموت لطفلي المصاب بمرضٍ مزمن شديد، سواء أكان للمرض تأثير على وعي الطفل وشعوره أم لا، علمًا بأننا قد استوفينا كل الأسباب العلاجية الممكنة؟

جواب: إن من كمال شريعتنا الإسلامية الغراء أنها لم تدع أمرًا من أمور الدنيا والآخرة مما فيه صلاحٌ لنا إلا وبينته وفصَّلته. ولقد أثبت القرآن الكريم لنا قاعدةً ثابتةً راسخة هي الأساس في التعامل مع قضاء الله وقدره ألا وهي قوله تعالى:"وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" [2] ، ثم جاءت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بتفصيلٍ وبيان عملي للإجابة على هذا السؤال تحديدًا؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يتمنينَّ أحدكم الموت من ضرٍ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" [3] ، قال الحافظ ابن حجر: وهذا يدل على أن النهي عن تمني الموت مقيَّد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمني المطلق نوع اعتراضٍ ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويضٍ وتسليم للقضاء" [4] "

فعلى الأبوين حين يظنان أن في حياة طفلهما نوع معاناة وشدة أن يحذرا من الوقوع في مصيدة الشيطان فيتمنى أحدهما أو كلاهما الموت لطفلهما مطلقًا دون مراعاة الأدب مع الله عز وجل، بل يكون الأمر -

(1) صحيح البخاري

(2) سورة البقرة - آية 216

(3) صحيح البخاري - باب تمني المريض الموت / كتاب المرضى

(4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري - الحافظ ابن حجر العسقلاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت