فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 47

بل تأملا أيها الأبوين في هذا الحديث عن أبي سنان قال: دفنت ابني سنانًا وأبو طلحة الخلاني جالسٌ على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ [1] فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟. فيقولون: حمدك واسترجع [2] . فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد [3] ."

وأود أن اشير إلى مسألةٍ لطيفة هاهنا في هذا المجال وهي ما يُبتلى به بعض الأزواج من إصابة بعض أطفالهم ببعض الأمراض الوراثية التي تؤدي إلى الوفاة في سنٍ صغيرة، وإن بعضًا من هذه الأمراض قد يتكرر احتمال الإصابة بها بنسبة عالية في الأحمال التالية مما قد يدفع بالزوجين أحيانًا إلى التردد في موضوع الإنجاب في المستقبل خشية تكرار حدوث المرض في ذريتهم اللاحقة [4] ، وما أريد التوجيه إليه هاهنا أن هذه الأحاديث المتقدمة والبشارة النبوية العظيمة بالستر من النار لمن قدم ولدين أو ثلاثة محتسبًا الأجر عند الله تعالى تشكل مصدر اطمئنان وسكينة في نفس الزوجين حريٌَّ بألا يدع أي مجالٍ لشك أو تردد أو حيرة أو قلق بالنسبة للإنجاب والأحمال اللاحقة؛ لأنه إن حدث حمل جديد فإما أن يمنَّ الله تعالى على الزوجين فيرزقهما طفلًا سليمًا فبها ونعمت، وإما أن يتحقق احتمال تكرار المرض فيكون الطفل الجديد مصابًا أيضًا بنفس المرض الذي قضى به الولد السابق فيكون رصيدًا للأبوين يقدمانه محتسبَين فيصلوا إلى تقديم عددٍ من الأولاد يسترهم من النار، وصدق المعصوم صلى الله عليه وسلم حيث قال:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [5] ، وأما الأطفال فلا يصيبهم في نهاية المطاف إلا رحمة من الله تعالى كما في الحديث المتقدم:"بفضل رحمته إياهم" [6] . وبناءً على هذا أقول - وبالله التوفيق - إنه إذا كان للتشخيص ما قبل الولادة لبعض الأمراض الوراثية أو الخلقية غاية علاجية ينتهي إليها - سواءٌ أكان للجنين أو للأم الحامل - فلا إشكال البتة في تحديد هذا التشخيص بل قد يجب إن كان في إهماله إضرارٌ بالحامل أو الجنين، واما إذا كان التشخيص ما قبل الولادة لتحري مرضٍ لا علاج له وليس من هدفٍ وراء التشخيص قبل الولادة إلا الرغبة في المعرفة، فلعل الأحرى بالأبوين أن يسلما أمرهما إلى الله

(1) السؤال من الله تعالى للتقرير لا للاستفهام فهو تعالى أعلم من ملائكته بما يسألهم عنه، كما أن في هذا التقرير نوع من مفاخرة الله تعالى ملائكته بعباده من بني آدم، فليتنبه.

(2) استرجع: أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون

(3) رواه الترمذي، وقال حديث حسن غريب

(4) وللأمر تفصيلات فقهية يُرجع إليها في مظانها

(5) صحيح مسلم

(6) سبق تخريجه - هامش 73

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت