الصفحة 364 من 439

ويوضّح هذا ما روى عن زفر - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه عندما قدم البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البَتِّي - رضي الله عنه -، فإن زفر - رضي الله عنه - كان يأتي حلقته ويسمع مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البَتِّي حتى يلزمه قوله ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودًا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتي على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البتي بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة ، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر وبقي البَتِّي وحده (1) .

فها هو عثمان البتي رغم أنه كان مشهورًا في عصره بالفقه وكان شيخ البصرة، إلا أنه لَمَّا لم تكن أصوله التي يرجع إليها في استخراج المسائل دقيقة ومنتظمة كان حال مذهبه الفناء لا البقاء.

فهؤلاء الأئمة لا شكّ في اعتمادهم في استنباطهم على أصوله وقواعد وإن تدون في زمنهم، وقد نسب أول تدوين إلى أبي يوسف في أصول الفقه؛ إذ ألف في أصول أبي حنيفة، وعيسى بن أبان يكثر في كتبه من نقل نتف في الأصول عن محمد بن الحسن، وأبو بكر الرازي كثير النقل من كتب عيسى في كتابه (( الفصول في الأصول ) ) (2) .

(1) محمد زاهد الكوثري (1378هـ) ، لمحات النظر في سير الإمام زفر، مصر، المكتبة الأزهرية للتراث، ص18.

(2) الكوثري، بلوغ الأماني، ص50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت