ولا يخفى أنه لولا الكتب التي تلقاها أسد من محمد في فقه أبي حنيفة وقدمها لابن القاسم ليجيبه عن مسائلها على مذهب مالك عن ظهر قلب لما تمكن أسد من الإجادة في السؤال ولا ابن القاسم من الجواب عن كل مسألة من أبواب الفقه على ترتيب أهل العراق،فعلى ضوء كتب محمد تم تدوين أسد لتلك المسائل التي هي أصل مدونة سحنون.
وأسد هذا هو ناصر مذهب أبي حنيفة ومالك بإفريقية، ثم اقتصر على نشر مذهب أبي حنيفة ، فانتشر في ديار المغرب لحد الأندلس حتى أصبح الأكثرون في أفريقية على هذا المذهب إلى عهد ابن باديس.
وأسد هذا هو فاتح صقلية وناشر الإسلام بها، وبها توفي سنة (213هـ) ، ولهذه الصلة الأكيدة بين المذهبين ترى أهل الغرب يعتبرونهما بحرين وما سواهما ساقية يستغنى عنها مع إخاء صادق بين الفريقين المتمذهبين بالمذهبين، وكذلك ترى بعض كبار الفقهاء من المالكية يقول: إذا لم تكن في مسألة رواية عن مالك يؤخذ بقول أبي حنيفة فيها (1) .
وأهم كتب المذهب بصورة عامة هي الأمهات عندهم أربعة، وهي:
(( المدونة ) )كتبها أولًا أسد بن الفرات بن سنان (ت213هـ) عن عبد الرحمن ابن القاسم (ت191هـ) ، وكتبها ثانيًا عنه عبد السلام بن سعيد، الملقب بسحنون (ت240هـ) .
(( الواضحة ) )لعبد الملك بن حبيب السلمي الأندلسي (ت238هـ) ، سمع بالأندلس من الغازي بن قيس (ت199هـ) ، وزياد بن عبد الرحمن الملقّب بشبطون (ت193هـ) ، وهما من تلاميذ مالك - رضي الله عنه -، ثم رحل إلى المشرق فسمع من تلاميذ الإمام مالك المصريين والمدنيين (2) .
(( العتبية ) )أو (( المستخرجة من الأسمعة ) )لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز، المعروف بالعُتبي الأندلسي (ت255هـ) ، والكتاب قائم في معظمه على أسمعة ثلاثة من أصحاب الإمام مالك عنه، هم: ابن القاسم، وأشهب وابن نافع من روايات متعددة عنهم.
(1) الكوثري، بلوغ الأماني، ص19-20، والشنقيطي، قمع أهل الزيغ والإلحاد، ص66.
(2) الطاهر، منهج كتابة الفقه المالكي، ص 97.