والنقل الثاني الذي أورده د. عمر هو في الأصل متقدمٌ على النقلِ الأولِ، ولكنَّ الدكتور عمر لم يراجع ما ورد إليه من قصاصات على أصولها، ثم إن الكلام مبتور لا يدرى ما آخره ، وأما رواية (( حنبل ) )هذه فلم يَنْقُلْ هذا عن أحمدَ غيرُ حنبل مِمَّنْ نقل مناظرتَهُ في المحنةِ كعبد الله بن أحمد، وصالح بن أحمد، والمروزيِّ وغيرِهم، فاختلف أصحابُ أحمد في ذلك، فمنهم من قال: غلط حنبل، لم يقل أحمد هذا، وقالوا: حنبل له غلطاتٌ وهذا منها وهذه طريقةُ أبي إسحقَ بنِ شاقلا، ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم، يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيءِ والإتيان ولم يكن ذلك دليلًا على أنه مخلوق بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره، فلذلك قولوا: ثواب القرآن لا أنه هو نفسه الجائي (1) ، فإن التأويل هنا ألزم، فإن المرادَ هنا الأخبارُ بثوابِ قارئِ القرآنِ وثواب عمل له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن، فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فَلأَنَ تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأَوْلَى والأحْرَىا وإِذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقًا لهم عليه وهو لا يحتاج إلى أَنْ يَلْتَزِمَ هذا، فإن هذا الحديث له نظائرُ كثيرة في مجيء أعمال العبادِ، والمراد مجيءُ قراءةِ القارئِ التي هي عملُهُ، وأعمالُ العبادِ مخلوقةٌ، وثوابُها مخلوقٌ ولهذا قال أحمدُ وغيره إنه يجيء ثوابُ القرآن والثوابُ يقع على أعمالِ العبادِ لا على صفاتِ الربِّ وأفعالِهِ (2)
(1) يعني في حديث: (( تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافَّ ) )، وهو في مسلم، (ح804) ، وكان الكلام عليه آنذاك في المحنة احتجت به المعتزلة على خلق القرآن، وهو احتجاجٌ باطلٌ، بل المرادُ (( قراءةُ ) )العبدِ للبقرةِ وآلِ عمران.
(2) مجموع الفتاوى، (5/398) ، (16/409) ، دَرْءُ التعارضِ (7/149-150) ، الاستقامة (1/75-76) .