وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقًا من الله وتيسيرًا. فهم الذين قال الله في حقهم {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم... الآية} [سورة الحجرات، آية: 7] ، وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام...الآية} [سورة الأنعام، آية: 125] , وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لرؤسائهم لأنهم لو كفر آباؤهم أو رؤسائهم لم يتابعوهم بل يجدون النُّفْرَةَ عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعةَ وأما الآيات والأحاديث فإنما وردت في حق الكفار الذين اتبعوا مَنْ نُهُوا عن إتباعه وتركوا اتباعَ مَنْ أُمِرُوا باتباعه. وإنما كلفهم اللهُ الإتيانَ ببرهانٍ على دعواهم بخلاف المؤمنين فلم يرد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان. وكل من خالف اللهَ ورسولَهُ فلا برهان له أصلًا وإنما كُلِّفَ الإتيانَ بالبرهان تبكيتًا وتعجيزًا.
وأما من اتبع الرسولَ فيما جاء به فقد اتبع الحقَّ الذي أمر به وقامت البراهينُ على صحته، سواء عَلِمَ هو بتوجيهِ ذلك البرهانِ أم لا.
وقول من قال منهم إن الله ذكر الاستدلال وأمر به مُسَلَّمٌ لكنْ هو فعلٌ حسنٌ مندوبٌ لكلِّ مَنْ أطاقه، وواجبٌ على كلِّ مَنْ لم تسكنْ نفسُهُ إلى التصديقِ كما تقدم تقريره وبالله التوفيق.