الصفحة 134 من 250

وسأنقل لك كلام الحافظ بحروفه على طولٍ فيه لتعلم الإشكال الذي أوقعت نفسك فيه؛ قال في أول كتاب التوحيد في باب: (( ما جاء في دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله تعالى ) ) (1) . فذكر أول واجب على المكلف عند إمام الحرمين وهو (( المعرفة ) )ثم ذكر الأقوال في أن أول واجب هل هو النظر أو القصد إليه ثم قال: وقد ذكرتُ في (( كتاب الإيمان ) )مَنْ أَعْرَضَ عن هذا من أصله وتمسك بقوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها} [سورة الروم، آية: 30] ، وحديث: (( كل مولود يولد على الفطرة ) ) (2) . فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلةٌ بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله- صلى الله عليه وسلم: (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ) )وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة ؛ وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى.

وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه: أن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب وتباينت بين مفرّطٍ وَمُفْرِطٍ ومتوسطٍ، فالطرف الأول قول من قال يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة من الحنابلة والظاهرية، ومنهم من بالغ فحرم النظر في الأدلة واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار من ذم الكلام كما سيأتي بيانه .

(2) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات، (3/219- ح1358، 1359) ، وأخرجه مسلم في القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، (4/2047-ح2658) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت