... لقد أمضى الدكتور بلتاجي أربعين عامًا في دار العلوم، لم يفارقها غير سنواتٍ أربع، معارًا لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية، ولم يواصل تكملة السنوات المتاحة له قانونًا، عاد بعدها عاقدًا العزم على عدم تكرار هذه التجربة مرة أخرى إلى أي بلدٍ نفطي أو خليجي، مهما تكن الظروف، فقد وعى أن تكوينه النفسي والعلمي لا يتوافق مع عمله فيها، حيث تسود اعتبارات اجتماعية وقبلية وطقسية تجعل الحياة فيها لونًا من المكابدة المستمرة مع النفس والأوضاع السائدة هناك. وأتاحت له الأعوام المتتابعة في دار العلوم، أن يكون مدرسة علمية شامخة للدراسات الإسلامية، أصبحت مقصد مئات الطلاب من مختلف بقاع العالم الإسلامي والغربي، من مذاهب مختلفة: سنة وشيعة وإباضية، في مختلف فرقهم يتخصصون في الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية وأصبحت الدراسات الإسلامية في دار العلوم قسيمة لعلوم اللغة والأدب والنقد شهرة وتقديرًا.
... وإلى جانب ما يتميز به عالمنا الجليل في سبر أغوار المشكلات الدينية. في سهولة ويسر، نأى بجانبه عن كل ما يشوب كرامة العالم، وأحاط نفسه بسور عمال من الكبرياء الحقة، يحول بينه وبين الزلفي والملق، أو العمل لغير وجه الله، مراقبة شديدة لضميره وواجبه، عف عن المادة في مختلف مظانها، فما طلبها ولا تكالب عليها، وسبلها معروفة ميسرة لمن يلتمس مطالب الدنيا الفانية، ولم يقبل ولا لحظة واحدة أن يكون من فقهاء السلطة والشرطة، وتكالب عليها كثيرون ليصبحوا وزراء ولو لشهور!