فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 4462

وأكاد أرى علماءنا في القرنين السادس والسابع الهجريين قد شُغلوا بتلك الدواهى العظام التى أصابت الأمة الإسلامية في الهجمتين الصليبية والتتارية، وهالهم الأمر فصرفهم عن البحث والدراسة العميقة ردحًا من الزمن وأصبح الجهاد همهم وشغلهم الشاغل، وكان المنطق يقتضى أن يكون ذلك، لأن كيان الدولة كله قد انهار، ولا يرون أمامهم الإ سيوفًا مصلتة على رقاب المسلمين، فحلّ السؤال عن حال أمراء المسلمين والمسلمين ومدن المسلمين وقراهم وأشخاصهم محل البحث والدراسة؛ وانجلى انتصار المسلمين في عهد الأيوبيين والمماليك المكرمين عن ارتفاع سيوفهم ثم سيوف العثمانيين وليس عن علوم قوية في اللغة والنحو والبلاغة، إنهم أمة إسلامية مقاتلة، ولكن نمو العربية فيها بطىء جدًا؛ قوة عسكرية هائلة وحب لله وشريعة الله، ولكن حصونهم الثقافية لغةً ونحوًا وفقهًا وشريعة وبحثًا ودرسًا لم تكن على مستوى القوة

العسكرية .

... نتج عن القرنين حركة جمع لقواعد النحو السابقة ثم بُعدٌ عنها وتجاوز لأهدافها بالتشعب والتفريع حينًا، وبالجدل العقلى والتصورات الذهنية حينًا آخر، ونتج عنه أشياء كثيرة منها المنظومات النحوية، وكان أبرزها (الفية ابن مالك ) وشغل العلماء بشرحها وضرب الأمثلة على قواعدها، وسيطرت ومازالت تسيطر على كتب النحو، ووضع السيوطى ألفية شاملة تستدرك ما فات ابن مالك، ولكن الفلاَح لم يحالفها كما حالف (ألفية ابن مالك) ؛ وتبع ذلك الحواشى وهى عقد نحوية مستحكمة في الإعراب والتصورات الذهنية والمماحكات الإعرابية؛ وربما يحزن دارس النحو أن يقرأ في إعراب جملة واحدة كتابا صغيرا سمى باسم الجملة المشهورة"ضربى زيدا قائما"؛ أو حتى أو إذن أو ما كان على وزن فُعلى، أو غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت