الشارع كفَّر بالأقوال فقال سبحانه: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [1] ، فسمى الكلمة كفرًا، ولم يقل أن"قلوبهم كافرة"، بلا شك أنهم لم يصدر منهم الكفر العملي بعمل حتى كفر القلب؛ ولذلك أهل السنة حين يكفّرون الرجل لعمله يكفرونه في ظاهره وفي باطنه، وهذه نقطة مهمّة.
وكفّرَ الشارع أقوامًا بأعمالهم؛ قال سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [2] ، فهنا كفّرهم الشارع باستهزائهم وهو عمل، على الرغم أنّهم قالوا أن قلوبهم لم تستهزئ وإنّما كنّا نخوض ونلعب وفي قلوبنا التعظيم؛ ومع ذلك سمّى الله عزّ وجلّ أعمالهم كفرًا.
والشارع كفّر أقوامًا لاعتقادهم؛ {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [3] ،فهم -هؤلاء الذين يسمَّون بالدَّهريّين- يعتقدون أنّه لا قيامة ولا آخرة وليس هناك ثمّة خالق، وإنّما الدهر أو الطبيعة هي الخالف، وقد كفّر الله أقوامًا باعتقادهم بعدم وجود بالآخرة.
فها قد رأيتم أنّ الشارع كفّر بقول اللسان وكفّر باعتقاد القلب وكفّر بعمل الجوارح.
(1) سورة التوبة، الآية: 74.
(2) سورة التوبة، الآيات: 64 - 65.
(3) سورة الجاثية، الآية: 24.