فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 78

مقدم اللقاء: سائل يسأل فيقول:"هناك من يتحاكم إلى قوانين الكفر بحجة أنه لا يوجد على وجه الأرض دولة تحكم بشرع الله ولهذا وما دمنا نعيش في الغرب فعلينا أن نتحاكم إليهم ونرضى بحكمهم"، فما رأيكم بهذا القول؟ وما حكم من يجيز ذلك للمسلمين؟

الشيخ أبو قتادة حفظه الله: هذا القول عجيب في دين الله -عز وجل-؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت عمل كفري لا يجوز للمسلم أن يعمله إلا في حالة الإكراه {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [1] ، ووجود الرجل في بلد لا تَحكُم بشريعة الإسلام فليس عذرًا له، هذا لا يكون عذرًا بحال، ومن قال إنه عذر فهو مُفترٍ على الله جاهل بدين الله -عز وجل-، ومن قال أن هذا مُجيز له أن يتحاكم إلى الطاغوت فقد افترى على الله، لا يجوز لمسلم أن يتحاكم إلى غير شريعة الإسلام؛ سواء كان في دولة مسلمة أو دولة كافرة.

إذا أُكره فهذا شأن آخر، أما أن يذهب إلى الطاغوت بملء إرادته فهذا لا يجوز له بحال من الأحوال، والواجب على المسلمين بدل أن يُسوِّغُوا الواقع وبدل أن يبرِّرُوا هذا الواقع التعيس أن يمتثلوا أمر علمائنا القدماء.

ماذا قال علمائنا عند حدوث هذه الملمات والفتن وهو غياب دولة الاسلام؟

قالوا: الواجب على المسلمين في كل بلدة أن يجتمعوا ويختاروا من بينهم حكّامًا يقضون بينهم، فما دام أن كثير من المسلمين الآن يجتمعون من أجل الطعام ومن أجل الشراب ومن أجل القضايا الدنيوية، فالواجب على المسلمين -إن اعتقدوا وإن شعروا بعظم هذه المسؤولية- كما قال علمائنا، قال أبو المعالي الجويني في كتابه الغياثي (غياث الأمم) :"الواجب على المسلمين في كل بلدة أن يجتمعوا ويختاروا من بينهم حكامًا يقضون بينهم في مشاكلهم" [2] .

فهذا هو الواجب؛ لا أن نُسوِّغ الواقع ولا أن نبرِّره هذا لا يجوز. فالواجب على أهل كلّ بلدة أن يتحاكموا إلى علمائهم، لا أن يتحاكموا إلى أهل الكفر ولا إلى قضاة الكفر بل الواجب عليهم أن يتحاكموا إلى

(1) سورة الأنفال، الآية: 24.

(2) يقول الإمام الجويني في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم) صـ 387:"وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة، وسكان كل قرية، أن يقدّموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره; فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات."..."فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هُدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد."اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت